تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
الشيطان ، فقال : إنّ هذا الصّوت ليس « 1 » من اللّه تعالى ، بل من الشيطان يسخر منك ، فلمّا شكّ زكريّا قال :
« رَبِّ ، أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ »
، وغرض السدي من هذا أن زكريا - عليه السلام - لو علم أن المبشّر بذلك هو اللّه تعالى ، لما جاز له أن يقول ذلك ، فارتكب هذا . وقال بعض المتكلّمين : هذا باطل باتّفاق ؛ إذ لو جوّز الأنبياء في بعض ما يرد عن اللّه تعالى أنّه من الشيطان ، لجوّزوا في سائره ، ولزالت الثقة « 2 » عنهم في الوحي ، وعنّا فيما يوردونه إلينا . ويمكن أن يجاب عنه : بأنّ هذا الاحتمال قائم في أوّل الأمر ، وإنّما يزول بالمعجزة ، فلعلّ المعجزة لم تكن حاصلة في هذه الصور « 3 » ، فحصل الشّك هنا فيها دون ما عداها . والجواب عن السؤال الثاني من وجوه : الأول : أن قوله :
إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى .
ليس نصّا في كون ذلك الغلام ولدا له ، بل يحتمل أن يكون زكريّا - عليه الصلاة والسلام - راعى الأدب ، ولم يقل : هذا الغلام ، هل يكون ولدا لي ، أم لا ، بل ذكر أسباب حصول الولد في العادة ؛ حتى أنّ تلك البشارة ، إن كانت بالولد ، فإن اللّه تعالى يزيل الإبهام ، ويجعل الكلام صريحا ، فلمّا ذكر ذلك ، صرّح اللّه تعالى بكون الولد منه ، فكان الغرض من كلام زكريّا هذا ، لا أنه كان شاكّا في قدرة اللّه تعالى عليه . الثاني : أنه ما ذكر ذلك للشك ، لكن على وجه التعظيم لقدرته ، وهذا كالرجل الذي يرى صاحبه قد وهب الكثير الخطير ، فيقول : أنّى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا من ملكك ! تعظيما وتعجّبا . الثالث : أن من شأن من بشّر بما يتمناه ؛ أن يتولد له فرط السرور به عند أوّل ما يرد عليه استثبات ذلك الكلام ؛ إما لأن شدة فرحه به توجب ذهوله عن مقتضيات العقل والفكر ، وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام بعد أن بشرت بإسحاق قالت
قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
[ هود : 72 ] فأزيل تعجبها بقوله :
أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ هود : 73 ] ، وإما طلبا للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى ، وإما مبالغة في تأكيد التفسير . قوله : « كذلك » : في محل هذه الكاف وجهان : أحدهما : أنه رفع على خبر ابتداء مضمر ، أي : الأمر كذلك ، ويكون الوقف على : « كذلك » ، ثم يبتدأ بجملة أخرى .
هامش
( 1 ) في أ : السورة ليس . ( 2 ) في أ : المشقة . ( 3 ) في أ : السورة .