عباس : يردونها كأنّها إهالة « 1 » . وقيل : إنّ اللّه - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين بردا وسلاما كما جاء في الحديث المتقدم « 2 » ، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام « 3 » - ، وكما في حق « 4 » الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دما ، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذبا ، وفي الحديث : « تقول النار للمؤمن « 5 » جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي » « 6 » . وعن مجاهد في قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
قال : من حمّ من المسلمين فقد وردها .
وفي الخبر « الحمى كنز من جهنم ، وهي حظ المؤمن من النار » « 7 » واعلم أنه لا بدّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين . فإن قيل : إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول ؟
فالجواب : أنّ ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه . وأيضا : فيه مزيد غم على « 8 » أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إليه وأيضا : إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم « 9 » الكفار وسرور المؤمنين . وأيضا : فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر ، ويستدلون على ذلك ، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل ، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه ، وأنّ المكذّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين . وأيضا : إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل : وبضدها تتبين الأشياء « 10 » .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 73 إلى 76 ]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 )
قوله تعالى « 11 » :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
الآية « 12 » .
هامش
( 1 ) الإهالة : ما أذبت من الشحم ، وقيل الإهالة الشحم والزيت ، وقيل كل دهن اؤتدم به إهالة ، وقيل :
الدسم الجامد . اللسان ( أهل ) .
( 2 ) تقدم قريبا .
( 3 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 4 ) حق : سقط من ب .
( 5 ) في الأصل : للمؤمنين .
( 6 ) أخرجه الحكيم الترمذي ، وابن مردويه والخطيب والبيهقي عن يعلى بن أمية . الدر المنثور 4 / 282 .
( 7 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة 5 / 252 ، 264 ، وانظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( 107 ) .
( 8 ) في ب : إذا على .
( 9 ) غم : مكرر في ب .
( 10 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 21 / 244 - 245 .
( 11 ) تعالى : سقط من ب .
( 12 ) الآية : سقط من ب ، وكتبت الآية إلى قوله :خَيْرٌ مَقاماً .