تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
قوله :
وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
قيل : كان الزّرع في وسط الأعناب ، وقيل : كان الزّرع بين الجنّتين ، أي : لم يكن بين الجنتين موضع خال . والمقصود منه أمور « 1 » : الأول : أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه . والثاني : أن تكون متّسعة الأطراف ، متباعدة الأكناف ، ومع ذلك ، لم يتوسّطها ما يقطع بعضها عن بعض . والثالث : أنّ مثل هذه الأرض تأتي كلّ [ يوم ] « 2 » بمنفعة أخرى ، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصلة . قوله :
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ
: قد تقدّم في السورة قبلها [ الإسراء : 23 ] حكم « كلتا » وهي مبتدأ ، و « آتت » خبرها ، وجاء هنا على [ الكثير : وهو ] مراعاة لفظها ، دون معناها . وقرأ « 3 » عبد اللّه - وكذلك في مصحفه - « كلا الجنّتين » بالتذكير ؛ لأنّ التأنيث مجازي ، ثم قرأ « آتت » بالتأنيث ؛ اعتبارا بلفظ « الجنّتين » فهو نظي ر « طلع الشّمس ،
وَأَشْرَقَتِ »
. وروى الفراء « 4 » عنه قراءة أخرى : « كلّ الجنّتين أتى أكله » أعاد الضمير على اللفظ « أكل » . واعلم أنّ لفظ « كل » اسم مفرد معرفة يؤكّد به مذكّران معرفتان ، و « كلتا » اسم مفرد معرفة يؤكّد به مؤنثان معرفتان ، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة ؛ كقولك : « جاءني كلا أخويك ، ورأيت كلا أخويك ، ومررت بكلا أخويك ، وجاءني كلتا أختيك ، ورأيت كلتا أختيك ، ومررت بكلتا أختيك » ، وإذا أضيفا إلى المضمر ، كانا في الرّفع بالألف ، وفي الجر والنّصب بالياء ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضا .

فصل [ في معنى قوله : « آتَتْ أُكُلَها »

] ومعنى
آتَتْ أُكُلَها
أعطت كلّ واحدة من الجنتين
أُكُلَها
ثمرها تامّا ،
وَلَمْ تَظْلِمْ
لم تنقص ،
مِنْهُ شَيْئاً
والظّلم : النقصان ، يقول الرّجل : ظلمني حقّي ، أي : نقصني . قوله :
« وَفَجَّرْنا »
العامة على التشديد ، وإنما كان كذلك ، وهو نهر واحد مبالغة فيه ، وقرأ « 5 » يعقوب ، وعيسى بن عمر بالتخفيف ، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [ القمر : 12 ] ، والتشديد هناك أظهر لقوله « عيونا » .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 106 . ( 2 ) في ب : التكثير . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 6 / 119 ، الدر المصون 4 / 454 . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 2 / 143 . ( 5 ) ينظر : الإتحاف 2 / 214 ، والبحر 6 / 119 ، والدر المصون 4 / 454 .