تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
استوجب المؤمن على اللّه بحسن عمله أجرا ، وعندنا الاستيجاب حصل بحكم الوعد . وعند المعتزلة : بذات الفعل ، وهو باطل ؛ لأنّ نعم اللّه كثيرة ، وهي موجبة للشكر والعبوديّة ، فلا يصير الشّكر والعبودية بموجب لثواب آخر ؛ لأنّ أداء الواجب لا يوجب شيئا آخر . واعلم أنّه تعالى ، لمّا أثبت الأجر المبهم ، أردفه بالتفصيل ، فبيّن أولا صفة مكانهم ، فقال :
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ
والعدن في اللغة عبارة عن الإقامة ، يقال : عدن بالمكان ، إذا أقام به ، فيجوز أن يكون المعنى : أولئك لهم جنات إقامة [ كما يقال : دار إقامة ] « 1 » . ويجوز أن يكون العدن اسما [ لموضع ] « 2 » معيّن في الجنّة ، وهو وسطها . وقوله : « جنّات » اسم جمع ، فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] ثم قال :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
[ الرحمن : 62 ] ويمكن أن يكون المراد نصيب كلّ واحد من المكلّفين جنّة على حدة ، ثم ذكر أنّ من صفات تلك الجنات أنّ الأنهار تجري من تحتها ، وذلك لأنّ أحسن مساكن الدنيا البساتين التي تجري فيها الأنهار ، ثمّ ذكر ثانيا أنّ لباسهم فيها ينقسم قسمين : لباس التستّر ، ولباس التحلّي . فأمّا لباس التحلّي فقال :
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
فقيل : على كلّ واحد منهم ثلاثة أسورة : سوار من ذهب لهذه الآية ، وسوار من فضّة ؛ لقوله :
وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
[ الإنسان : 21 ] ، وسوار من لؤلؤ ؛ لقوله
وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ
[ الحج : 23 ] . وأمّا لباس التستّر ، فلقوله :
وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
. فالأول : هو الدّيباج الرّقيق . والثاني : هو الديباج الصّفيق . وقيل : أصله فارسيّ معرّب ، وهو « إستبره » : أي غليظ . قوله :
مِنْ أَساوِرَ
: في « من » هذه أربعة أوجه : الأوّل : أنها للابتداء . والثاني : أنها للتبعيض . والثالث : أنها لبيان الجنس ، أي : أشياء من أساور . والرابع : أنها زائدة عند الأخفش ؛ ويدلّ عليه قوله :
وَحُلُّوا أَساوِرَ
[ الإنسان : 21 ] . [ ذكر هذه الثلاثة الأخيرة أبو البقاء ] « 3 » . وأساور جمع أسورة ، [ وأسورة ] جمع سوار ، كحمار وأحمرة ، فهو جمع الجمع . وقيل : جمع إسوار ، وأنشد : [ الرجز ]
هامش
( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) في أ : المكان . ( 3 ) ينظر : الإملاء 2 / 102 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 480 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب