تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
عليهم أحد ، ولولا أنه موجب للذلّ ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، فلما كان الوطء ذلّا ، كان السّعي في تقليله موافقا للعقول ، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعي في تقليل ذلك العمل ، وما فيه من الذلّ يجبر بالمنافع الحاصلة . وأمّا الزّنا ، فإنه فتح لباب العمل القبيح ، ولا يجبر بشيء من المنافع ، فيبقى على أصل المنع . وإذا ثبت ذلك ، فنقول : إنه تعالى وصف الزّنا بصفات ثلاثة : كونه
فاحِشَةً وَمَقْتاً
في آية أخرى
وَساءَ سَبِيلًا
أما كونه فاحشة ؛ فلاشتماله على الأمور المذكورة ، وأمّا المقت فلأنّ الزانية تصير ممقوتة مكروهة ؛ لما ذكرنا . وأما كونه ساء سبيلا : فهو ما ذكرنا من أنّه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث ، وبقاء الذلّ والعيب والعار على المرأة من غير أن يجبر بشيء من المنافع . فصل قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 33 ]

وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 ) فقوله جلّ ذكره :
إِلَّا بِالْحَقِّ
أي : إلا بسبب الحقّ ، فيتعلق ب
« لا تَقْتُلُوا »
ويجوز أن يكون حالا من فاعل
« لا تَقْتُلُوا »
أو من مفعوله ، أي : لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحقّ أو إلّا ملتبسة بالحقّ ، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، أي : إلّا قتلا ملتبسا بالحقّ .

فصل [ في الحق المبيح للقتل ]

والحقّ المبيح للقتل هو قوله - صلوات اللّه وسلامه عليه - : « لا يحلّ دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث : رجل كفر باللّه بعد إيمانه ، أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس » « 1 » . فإن قيل : إنّ أكبر الكبائر بعد الكفر باللّه سبحانه وتعالى هو القتل ، فما السبب في أنه تعالى بدأ بالنّهي عن الزنا ، ثم نهى بعده عن القتل . فالجواب « 2 » : أنّا بيّنا أنّ فتح باب الزّنا يمنع دخول الإنسان في الوجود ، والقتل يدلّ على إعدامه ، ودخوله في الوجود مقدّم على إعدامه بعد وجوده ؛ فلهذا ذكر الزّنا أولا ، ثم ذكر بعده القتل .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 12 / 209 ، كتاب الديات : باب قول اللّه تعالى :أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ( 6878 ) ، ومسلم 3 / 1302 ، كتاب القسامة : باب ما يباح به دم المسلم . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 159 .