تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وأيضا : فالخبر المذكور يوجب حصر أسباب الحلّ في تلك الثلاثة ، ففيما عداها يجب البقاء على أصل الحرمة ، ثم قالوا : وبهذا النصّ قد تأكّد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدّم على الإطلاق ، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض ، وذلك المعارض : إمّا أن يكون نصّا متواترا أو نصّا من باب الآحاد ، أو قياسا ، والنص المتواتر مفقود ، وإلّا لما بقي الخلاف . وأما النصّ من باب الآحاد ، فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص الكثيرة ؛ لأنّ الظنّ المستفاد من النصوص الكثيرة أعظم من الظنّ المستفاد من خبر واحد . وأما القياس : فلا يعارض النصّ ، فثبت بمقتضى هذا الأصل القويّ : أنّ الأصل في الدماء الحرمة إلّا في الصور المعدودة . قوله سبحانه وتعالى :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
فيه بحثان : البحث الأول : هذه الآية تدلّ على أنّه أثبت لوليّ الدم سلطانا . فأمّا بيان هذه السلطنة فيماذا ، فليس في قوله :
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
دلالة عنه ، ثم هاهنا طريقان : الأول : أنّ قوله تعالى بعده :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
يدل على أن تلك السلطنة هي في استيفاء القتل ، وهذا ضعيف ؛ لاحتمال أن يكون المراد :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
فلا ينبغي أن يسرف ذلك القاتل الظالم في ذلك القتل ؛ لأنّ ذلك المقتول منصور ؛ لثبوت السّلطنة لوليه . والطريق الثاني : أن تلك السلطنة مجملة ، ثم فسّرت بالآية والخبر . أما الآية : فقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
إلى قوله :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
[ البقرة : 178 ] . وقد بينّا على أنّها تدل على أن الواجب تخيير الوليّ بين القصاص والدية . وأمّا الخبر : فقوله - صلوات اللّه وسلامه عليه - يوم الفتح « من قتل له قتيل ، فهو بخير النّظرين : إمّا أن يقتل ، وإمّا أن يفدى » « 1 » . فعلى هذا : فمعنى قوله :
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص ، وسلطنة استيفاء الدّية ، إن شاء ، قال بعده
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ
أي أنّ الأولى ألّا يقتصّ ، ويكتفي بأخذ الدية أو يعفو ، كقوله تعالى :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ البقرة : 237 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 4 / 172 ، كتاب الديات : باب ولي العمد يرضى بالدية ( 4 / 450 ) ، والترمذي 4 / 14 ، كتاب الديات : باب ما جاء في حكم ولي القتيل ( 1406 ) ، والحديث في الصحيحين أخرجه البخاري 1 / 238 ، كتاب العلم : باب ليبلغ العلم ( 104 ) ، وطرفاه ( 1832 ) - ( 4295 ) كتاب الحج : باب تحريم مكة ( 448 - 1355 ) من حديث أبي هريرة .