تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
الفاعل ضميرا مفسّرا بما بعده من التمييز ، فلا يصح تقديره : ساء سبيله سبيلا ؛ لأنه ليس بمضمر لاسم الجنس .

فصل [ في اشتمال الزنا على أنواع من المفاسد ]

قال القفال « 1 » : إذا قيل للإنسان : لا تقرب هذا ، فهو آكد من أن تقول : لا تفعله ، ثم علّل هذا النّهي بكونه
فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
. واعلم أنّ الزّنا اشتمل على أنواع من المفاسد : أولها : اختلاط الأنساب واشتباهها ، فلا يعرف الإنسان أنّ الولد الذي أتت به الزانية منه أو من غيره ، فلا يقوم بتربيته ، وذلك يوجب ضياع الأولاد ، وانقطاع النّسل ، وخراب العالم . وثانيها : أنه إذا لم يوجد سبب شرعيّ يوجب اختصاص هذا الرجل بهذه المرأة ، لم يبق إلّا التواثب والتقاتل ، وقد وجد وقوع القتل الذّريع بسبب زنا المرأة الواحدة . وثالثها : أنّ المرأة ، إذا زنت وتمرّنت عليه ، يستقذرها كل ذي عقل سليم ، وحينئذ : لا تحصل الألفة والمحبّة ، ولا يتم السّكن والازدواج ، وينفر طباع أكثر الخلق عن مقاربتها . ورابعها : أنّه إذا انفتح باب الزّنا ، لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة ، بل كل رجل يمكنه التواثب على أيّ امرأة أرادت ، وحينئذ : لا يبقى بين نوع الإنسان وسائر البهائم فرق في هذا . وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة مجرّد قضاء الشهوة ، بل أن تصير شريكة للرّجل في ترتيب المنزل وإعداد مهمّاته من المطعوم والمشروب والملبوس ، وحفظ البيت ، والقيام بأمور الأولاد والخدم ، وهذه المهمات لا تتم إلّا إذا كانت المرأة مقصورة الهمّة على هذا الرجل الواحد ، منقطعة الطّمع عن سائر الرّجال ، وذلك لا يحصل إلّا بتحريم الزّنا ، وسدّ هذا الباب . وسادسها : أنّ الوطء يوجب الذلّ الشديد ، ويدلّ على ذلك وجوه : الأول : أن أعظم أنواع الشّتم عند النّاس ذكر ألفاظ الوقاع ، ولولا أن الوطء يوجب الذلّ وإلّا لما كان الأمر كذلك . الثاني : أنّ جميع العقلاء يستنكفون من ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم ، ولولا أنّ الوطء ذلّ ، وإلّا لما كان كذلك . الثالث : أن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا خفية في الأوقات التي لا يطّلع
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 158 .