تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
واعلم أنّ الأصل في القتل هو التحريم ، والحلّ إنّما ثبت بسبب عارض ؛ فذلك نهى عن القتل بناء على حكم الأصل ، ثم استثنى منه الحالة التي يباح فيها القتل ، وهو عند حصول الأسباب العرضيّة ، فقال :
إِلَّا بِالْحَقِّ
ويدل على أنّ الأصل في القتل التحريم وجوه : أحدها : أن القتل ضرر ، والأصل في المضارّ الحرمة ، قال - صلوات اللّه وسلامه عليه - : « لا ضرر ، ولا ضرار » « 1 » . وثانيها : قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الآدميّ بنيان الربّ ، ملعون من هدم بنيان الربّ » « 2 » . وثالثها : أن الآدميّ خلق للعبادة ، لقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] والعبادة لا تتمّ إلّا بعدم القتل . ورابعها : أنّ القتل إفساد ، فحرم ؛ لقوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا
[ الأعراف : 56 ] . وخامسها : إذا تعارض دليل تحريم القتل ، ودليل إباحته ، فالإجماع على أنّ جانب الحرمة راجح ، ولولا أنّ مقتضى الأصل هو التحريم ، وإلّا لكان ذلك ترجيحا لا لمرجح ، وهو محال . وإذا علم أنّ الأصل في القتل هو التحريم ، فقوله :
« وَلا تَقْتُلُوا »
نهي وتحريم . وقوله :
« حَرَّمَ اللَّهُ »
إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد ، ثم استثنى عنه الأسباب العرضيّة ، فقال : إلّا بالحقّ ، وهاهنا طريقان : الطريق الأول : أن قوله
« إِلَّا بِالْحَقِّ »
مجمل ليس فيه بيان أن ذلك الحقّ ما هو ، ثم قال تعالى :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
أي : في حقّ استيفاء القصاص ؛ فوجب أن يكون المراد من الحقّ هذه الصورة فقط ، فتكون الآية نصّا صريحا في تحريم القتل ، إلا بهذا السبب الواحد . الطريق الثاني : أن نقول : دلّت السنة على أنّ ذلك الحقّ هو أحد الأمور الثلاثة المتقدّمة في الخبر . واعلم أن الخبر من باب الآحاد ، فإن قلنا : إنّ قوله تعالى :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
بيان لذلك الحقّ ، كانت الآية صريحة في أنه لا يحلّ القتل إلّا بهذا السبب الواحد ، وحينئذ : يصير الخبر مخصّصا للآية ، ويصير فرعا لقولنا « 3 » بصحّة تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وإن قلنا بأن قوله تعالى :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
ليس بيانا لذلك الحقّ ، فحينئذ يصير الخبر مفسّرا للحقّ المذكور في الآية ، وعلى هذا لا يصير فرعا على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو تنبيه حسن .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 160 ) . ( 3 ) في أ : لقوله .