تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وقال أبو عبيدة والقتيبيّ : الطائر عند العرب الحظّ ، وتسمّيه الفرس البخت ، فالطائر ما طار له من خير وشرّ من قولهم : طار سهم فلان بكذا ، وخصّ العنق من سائر الأعضاء ؛ لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين ، أو يشين ، فما يزين ، فهو كالتطوّق والحليّ ، وما يشين ، فهو كالغلّ ، فعمله إن كان خيرا فهو زينة كالتطوق ، أو كان شرّا ، فهو شين كالغلّ في رقبته ، فقوله : « في عنقه » كناية عن اللّزوم ؛ كما يقال : جعلت هذا في عنقك أي : قلّدتك هذا العمل ، وألزمتك الاحتفاظ به ، ويقال : قلّدتك كذا ، وطوّقتك كذا ، أي : صرفته إليك ، وألزمتك إياه ، ومنه « قلّده السّلطان كذا » أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ، ومكان الطوق ، ومنه يقال : فلان يقلّد فلانا أي : جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة في عنقه . وهذه الآية أدلّ دليل على أنّ كلّ ما قدّره اللّه - تعالى - على الإنسان ، وحكم به عليه في سابق علمه ، فهو واجب الوقوع ، ممتنع العدم ؛ لأنه تعالى بيّن أن ذلك العمل لازم له ، وما كان لازما للشّيء ؛ كان ممتنع الزّوال عنه ، واجب الحصول له ، وأيضا : فإن اللّه - تعالى - أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه بقوله : « ألزمناه » ، وذلك تصريح بأنّ الإلزام إنما صدر منه كقوله تعالى :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
[ الفتح : 26 ] وقال - صلوات اللّه وسلامه عليه - : « جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » « 1 » . قوله تعالى :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً
. العامة على « نخرج » بنون العظمة مضارع « أخرج » ، و « كتابا » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به . والثاني : أنه منصوب على الحال من المفعول المحذوف ؛ إذ التقدير : ونخرجه له كتابا ، أي : ونخرج الطائر . ويروى عن أبي جعفر : « ويخرج » مبنيّا للمفعول ، « كتابا » نصب على الحال ، والقائم مقام الفاعل ضمير الطائر ، وعنه أنّه رفع « كتابا » وخرّج على أنه مرفوع بالفعل المبنيّ للمفعول ، والأولى قراءة قلقة . وقرأ الحسن « 2 » : « ويخرج » بفتح الياء وضمّ الراء ، مضارع « خرج » « كتاب » فاعل به ، وابن محيصن ومجاهد كذلك ، إلا أنهما نصبا « كتابا » على الحال ، والفاعل ضمير الطائر ، أي : ويخرج له طائره في هذا الحال ، وقرىء « 3 » « ويخرج » بضمّ الياء وكسر الراء ، مضارع « أخرج » والفاعل ضمير الباري تعالى ، « كتابا » مفعول .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 11 / 223 ) والبيهقي في « الأسماء والصفات » ص ( 76 ) . ( 2 ) ينظر في قراءاتها النشر 2 / 306 ، والإتحاف 2 / 194 ، والقرطبي 10 / 150 ، والبحر 6 / 15 ، والدر المصون 3 / 376 . ( 3 ) نسبها الفراء في معاني القرآن 2 / 118 إلى أبي جعفر المدني ، وينظر : البحر 6 / 14 ، والدر المصون 4 / 376 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 226 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب