تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
النهار مبصرة ؛ لأنّ بسبب اختلاف أحوال نور القمر تعرف السّنون والحساب ، ويبتغى فضل اللّه تعالى . وأهل التجارب بيّنوا أنّ اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه ، مثل أحوال البحار في المدّ والجزر ، ومثل أحوال التجربات على ما يذكره الأطباء في كتبهم ، وبسبب زيادة نور القمر ونقصانه تحصل الشهور ، وبسبب معاودة الشّهور تحصل السّنون العربية المبنية على رؤية الهلال . ويمكن أيضا إذا حملنا المحو على الكلف أن يكون برهانا قاهرا على صحّة قول المسلمين في المبدأ والمعاد ؛ لأن جرم القمر بسيط عند الفلاسفة ، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدلّ على أنه ليس بسبب الطبيعة ، بل لأجل أن الفاعل المختار خصّص بعض أجزائه بالنّور الضعيف وبعض أجزائه بالنور القوي ، وذلك يدلّ على أن مدبّر العالم فاعل مختار بالذّات ، واعتذر الفلاسفة عنه بأنّه ارتكز « 1 » في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز وجه الكواكب في أجرام الأفلاك ، فلمّا كانت تلك الأجرام أقلّ ضوءا من جرم القمر ، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر ، كالكلف في وجه الإنسان ، وهذا ليس بشيء ؛ لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء ، فحصول تلك الأجرام الظلمانيّة في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ليس إلّا لمخصّص حكيم ، وكذلك القول في أحوال الكواكب ؛ لأنّ الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء ، فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب ، وذلك يدلّ على أنّ اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعيّن من الفلك لأجل تخصيص العالم الفاعل المختار . روي أن ابن الكواء « 2 » سأل عليّا - رضي اللّه عنه - عن السّواد الذي في القمر ، فقال : هو أثر المحو « 3 » . قوله : « مبصرة » فيه أوجه : أحدها : أنه من الإسناد المجازيّ ؛ لأنّ الإبصار فيها لأهلها ؛ كقوله :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
[ الإسراء : 59 ] لمّا كانت سببا للإبصار ؛ لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار ، فأطلق الإبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبّب على السّبب . وقيل : « مبصرة » : مضيئة ، وقال أبو عبيدة : قد أبصر النهار ، إذا صار الناس يبصرون فيه ، فهو من باب أفعل ، والمراد غير من أسند الفعل إليه ؛ كقولهم : « أضعف الرّجل » أي : ضعفت ماشيته ، و « أجبن الرّجل » إذا كان أهله جبناء ، فالمعنى أنّ أهلها بصراء .
هامش
( 1 ) في ب : ارتكبت . ( 2 ) ينظر : معالم التنزيل 3 / 107 . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 20 / 148 ) .