تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
بفاعله ، لا يتعدّى منه إلى غيره ، كقوله تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
[ النجم : 39 ، 40 ] . قال الكعبيّ : « الآية دالة على أنّ العبد متمكّن من الخير والشرّ ، وأنه غير مجبور على فعل بعينه أصلا ؛ لأنّ قوله تعالى جلّ ذكره :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكّن منه ، كيف شاء وأراد ، وأمّا المجبور على أحد الطّرفين ، الممنوع من الطّرف الثاني ، فهذا لا يليق بهذه الآية » وتقدّم الجواب . ثم إنّه تعالى أعاد تقرير أنّ كلّ أحد مختصّ بعمل نفسه ، فقال تعالى :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
. قال الزجاج : يقال : وزر يزر ، فهو وازر ووزر وزرا وزرة ، ومعناه : أثم يأثم إثما . وقال : في تأويل الآية وجهان : الأول : أنّ المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ، بل كلّ أحد مختصّ بذنب نفسه . والثاني : أنّه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم ؛ لأنّ غيره عمله كقول الكفّار :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ الزخرف : 23 ] .

فصل [ في دلالة الآية على أحكام ]

دلّت هذه الآية على أحكام : الأول : قال الجبائي « 1 » : في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذّب الأطفال بكفر آبائهم ، وإلّا لكان الطفل يؤاخذ بذنب أبيه . وذلك خلاف ظاهر الآية . الثاني : روى ابن عمر - رضي اللّه عنه - عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه » . وطعنت عائشة - رضي اللّه عنها - في صحّة هذا الخبر بهذه الآية « 2 » . فإن تعذيب الميت ببكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره ، وهو خلاف هذه الآية . والحديث لا شكّ في صحّته ؛ لأنّه في الصحيحين . وفي الصحيحين أيضا عن عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - أنّ النّبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ الميّت يعذّب ببكاء الحيّ » « 3 » .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 137 . ( 2 ) أخرجه البخاري 3 / 180 ، في الجنائز : باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ( 1286 ) ، وأخرجه مسلم 2 / 640 ، في الجنائز : باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه ( 22 / 928 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3 / 181 ) كتاب الجنائز : باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه حديث ( 1290 ) ومسلم ( 2 / 639 ) من حديث عمر .