تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
أحوال الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، فقد صار مذكورا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد أزيحت الأعذار ، وأزيلت العلل ، فلا جرم : كل من ورد عرصة القيامة ، ألزمناه طائره في عنقه ، ونقول له :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
. وثانيها : أنه تعالى ، لمّا بيّن أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدّين والدنيا مثل آيتي الليل والنهار ، وغيرهما ، كان منعما عليهم بجميع وجوه النّعم ، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته ، فلا جرم : كلّ من ورد عرصة القيامة ، فإنه يكون مسؤولا عن أعماله وأقواله . وثالثها : أنه تعالى بيّن أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته ، كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل ، كان المعنى : إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها ، فتصيروا متمكّنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي ، وإذا كان كذلك ، فكل من ورد عرصة القيامة ، سألته ، هل أتى بتلك الخدمة والطّاعة ، أو تمرّد وعصى . وقرىء « في عنقه » بإسكان النون وهو تخفيف شائع .

فصل [ في اختلافهم في الطائر ]

اختلفوا في الطائر ، فقال ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - : « عمله ، وما قدر عليه من خير أو شرّ ، فهو ملازمه ، أينما كان » « 1 » . وقال الكلبي ومقاتل : « خيره وشره معه لا يفارقه حتّى يحاسبه » ، وقال الحسن : يمنه وشؤمه ، وعن مجاهد : « ما من مولود إلّا في عنقه ورقة ، مكتوب فيها شقيّ أو سعيد » « 2 » . وقال أهل المعاني : أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله ، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة ، سمّي طائرا على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها ، فكانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال ، وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شرّ ، اعتبروا أحوال الطّير ، وهو أنه يطير بنفسه ، أو يحتاج إلى إزعاجه ، وإذا طار ، فهو يطير متيامنا أو متياسرا ، أو صاعدا إلى الجوّ ، أو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ، ويستدلّون بكلّ واحد منها على أحوال الخير والشر بالطائر ، فلما كثر ذلك منهم ، سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ، ونظيره قوله تعالى :
إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ
[ يس : 18 ] وقوله عزّ وجلّ :
قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ
[ يس : 19 ] فالمعنى : أنّ كلّ إنسان ألزمناه عمله في عنقه .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 47 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 303 ) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 108 ) . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 108 ) عن الكلبي ومقاتل .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 225 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب