تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وقرأ « 1 » علي بن الحسين وقتادة « مبصرة » بفتح الميم والصاد ، وهو مصدر أقيم مقام الاسم ، وكثر هذا في صفات الأمكنة نحو : « مذأبة » . ثم قال - عز وجل - :
لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
أي لتبصروا كيف تتصرّفون في أعمالكم ،
وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
أي لو ترك اللّه الشمس والقمر كما خلقهما ، لم يعرف الليل من النهار ؛ ولم يدر الصائم متى يفطر ، ولم يدر وقت الحجّ ، ولا وقت حلول الآجال ، ولا وقت السكون والرّاحة . واعلم أن الحساب مبنيّ على أربع مراتب : الساعات ، والأيام ، والشّهور ، والسّنون ، فالعدد للسنين ، والحساب لما دون السنين ، وهي الشّهور ، والأيّام ، والسّاعات ، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلّا التّكرار ؛ كما أنّهم رتّبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد ، والعشرات ، والمئات ، والألوف ، وليس بعدها إلّا التّكرار . قوله :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ
فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على الاشتغال ، ورجّح نصبه ؛ لتقدم جملة فعلية ؛ وكذلك « وكلّ إنسان ألزمناه » . والثاني - وهو بعيد : - أنه منصوب نسقا على « الحساب » ، أي : لتعلموا كل شيء أيضا ، ويكون « فصّلناه » على هذا صفة . والمعنى : أنه تعالى لمّا ذكر أحوال آيتي اللّيل والنّهار ، وهما من وجه : دليلان قاطعان على التّوحيد ، ومن وجه آخر : نعمتان عظيمتان من اللّه على الخلق ، فلما شرح اللّه تعالى حالهما ، وفصّل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ؛ ومن وجوه النّعم العظيمة على الخلق ، كان ذلك تفصيلا نافعا وبيانا كاملا ، فلا جرم قال :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
أي : فصّلنا لكم كلّ ما تحتاجون إليه في مصالح دينكم ودنياكم ، فهو كقوله :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] وقوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ النحل : 89 ] وإنما ذكر المصدر ، وهو قوله : « تفصيلا » لأجل تأكيد الكلام وتقريره ، فكأنه قال : « وفصّلناه حقّا على الوجه الذي لا مزيد عليه » . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 13 إلى 14 ]

وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) قوله :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
الآية . في كيفية النّظم وجوه : أولها : أنه تعالى لمّا قال :
وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
كان معناه أن ما يحتاج إليه من شرح دلائل التّوحيد ، والنّبوّة ، والمعاد ، فقد صار مذكورا وأن كلّ ما يحتاج إليه من شرح
هامش
( 1 ) ينظر : البحر 6 / 13 ، والدر المصون 4 / 376 .