تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
أحدها : أنه يقتضي أن يكون للّه أعين كثيرة ، وهذا يناقض قوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[ طه : 39 ] . وثانيها : أنّه يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين ، كقولك : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها : أنّه - تعالى - منزّه عن الأعضاء ، والأبعاض ؛ فوجب المصير إلى التأويل ، وهو من وجوه : الأول : معنى « بأعيننا » أي : بنزول الملك ؛ فيعرفه بخبر السفينة ، يقال : فلان عين فلان أي : ناظر عليه . والثاني : أنّ من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه ؛ فلمّا كان وضع العين على الشّيء سببا لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ ، فلهذا قال المفسّرون : معناه : بحفظنا إيّاك حفظ من يراك ، ويملك دفع السّوء عنك . وحاصل الكلام أن عمل السّفينة مشروط بأمرين : أحدهما : أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل . والثاني : أن يكون عالما بكيفيّة تأليف السّفينة وتركيبها . وقوله :
« وَوَحْيِنا »
إشارة إلى أنّه تعالى يوحي إليه كيفية عمل السّفينة . وقوله :
« وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ »
فقيل : لا تطلب منّي تأخير العذاب عنهم ، فإنّي قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلمّا علم نوح ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] . وقيل :
« لا تُخاطِبْنِي »
في تعجيل العذاب فإنّي لمّا قضيت عليهم إنزال العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعا . وقيل : المراد ب
« الَّذِينَ ظَلَمُوا »
ابنه وامرأته . قوله :
« وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ »
قيل : هذا حكاية حال ماضيه أي : في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك . وقيل : التقدير : وأقبل يصنع الفلك ، فاقتصر على قوله : « يصنع » . قيل : إن جبريل أتى نوحا عليه السّلام فقال : إنّ ربّك يأمرك أن تصنع الفلك ، فقال : كيف أصنع ولست بنجّار ؟ فقال : إنّ ربّك يقول : اصنع فإنّك بعيني ، فأخذ القدوم ، وجعل يصنع ولا يخطئ . وقيل : أوحى اللّه إليه يجعلها مثل جؤجؤ الطّائر . روي أنّ نوحا - عليه الصلاة والسّلام - لمّا دعا على قومه وقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] استجاب اللّه دعاءه وأمره أن يغرس شجرة ليعمل منها السفينة ؛ فغرسها وانتظرها مائة سنة ، ثم نجّرها في مائة سنة أخرى . وقيل : في أربعين سنة ، وكانت من خشب الساج . وفي التوراة أنها من الصنوبر . قال البغويّ - رحمه اللّه - أمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا ، وعرضها خمسين
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 482 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب