تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
ثم إنّه تعالى حكى عنه أنه كان يقول :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
أي : مثل سخريتكم إذا غرقتم في الدنيا ووقعتم في العذاب يوم القيامة . وقيل : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنّا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر ، والتّعرض لسخط اللّه وعذابه ، فأنتم أولى بالسّخرية منّا . فإن قيل : كيف تجوز السخرية من النبي ؟ . فالجواب : هذا ازدواج للكلام يعنى : إن تستجهلوني فإنّي أستجهلكم إذا نزل بكم العذاب . وقيل : معناه : إن تسخروا منّا فسترون عاقبة سخريتكم . وقيل : سمى المقابلة سخرية كقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] . قوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ .
في « من » وجهان : أحدهما : أن تكون موصولة . والثاني : أن تكون استفهاميّة ، وعلى كلا التقديرين ف « تعلمون » إمّا من باب اليقين ، فتتعدّى لاثنين ، وإمّا من باب العرفان فتتعدّى لواحد . فإذا كانت هذه عرفانية و « من » استفهامية كانت « من » ، وما بعدها سادّة مسدّ مفعول واحد ، وإن كانت متعدية لاثنين كانت سادّة مسدّ المفعولين وإذا كانت « تعلمون » متعدية لاثنين ، و « من » موصولة كانت في موضع المفعول الأوّل ، والثاني محذوف قال ابن عطيّة : « وجائز أن تكون المتعدية إلى مفعولين ، واقتصر على الواحد » . وهذه العبارة ليست جيّدة ؛ لأنّ الاقتصار في هذا الباب على أحد المفعولين لا يجوز ، لما تقرّر من أنّهما مبتدأ وخبر في الأصل ، وأمّا حذف الاختصار ، فهو ممتنع أيضا ، إذ لا دليل على ذلك . وإن كانت متعدّية لواحد و « من » موصولة فأمرها واضح . قوله :
« وَيَحِلُّ عَلَيْهِ »
أي : يجب عليه ، وينزل به
« عَذابٌ مُقِيمٌ »
دائم . وحكى الزهراويّ - رضي اللّه عنه - :
« وَيَحِلُّ »
بضمّ الحاء ، بمعنى يجب أيضا . قوله :
« حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا »
عذابنا ، أو وقته ، أو قولنا « كن » .
« وَفارَ التَّنُّورُ »
اختلفوا في التّنور : قال عكرمة والزهري : هو وجه الأرض « 1 » ، أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار وذلك أنّه قيل لنوح : إذ رأيت الماء قد فار على وجه الأرض ، فاركب السّفينة أنت وأصحابك .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 38 - 39 ) عن ابن عباس وعكرمة والضحاك . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 596 ) عن عكرمة وعزاه إلى أبي الشيخ وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 383 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 484 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب