تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
وقال آخر : [ البسيط ]
2969 - وكم من خليل أو حميم رزئته * فلم نبتئس والرّزء فيه جليل « 1 »

فصل [ في الدلالة على صحة القول بالقضاء والقدر ]

دلّت هذه الآية على صحة القول بالقضاء والقدر ؛ لأنّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك ، فلو حصل إيمانهم ؛ لكان إمّا مع بقاء هذا الخبر صدقا ، ومع بقاء هذا العلم علما ، أو مع انقلاب هذا الخبر كذبا ومع انقلاب هذا العلم جهلا . والأول باطل ؛ لأنّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقا ، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلا حال وجود الإيمان جمع بين النّقيضين . والثاني أيضا باطل ؛ لأنّ انقلاب علم اللّه - تعالى - جهلا وخبره كذبا محال ، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدّ وأن يكون على أحد هذين القسمين ، وثبت أنّ كلّ واحد منهما محال كان صدور الإيمان منهم محالا ، مع أنّهم كانوا مأمورين به ، وأيضا : فالقوم كانوا مأمورين بالإيمان ، ومن الإيمان تصديق اللّه تعالى - في كلّ ما أخبر عنه ، وقد أخبر أنّه
« . . . لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ »
فينبغي أن يقال : إنّهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون البتة ، وذلك تكليف بالجمع بين النّقيضين . قوله تعالى :
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا .
« بأعيننا » حال من فاعل « اصنع » أي : محفوظا بأعيننا ، وهو مجاز عن كلاء اللّه له بالحفظ . وقيل : المراد بهم الملائكة تشبيها لهم بعيون النّاس ، أي : الذين يتفقّدون الأخبار ، والجمع حينئذ حقيقة . وقرأ طلحة بن « 2 » مصرف « بأعينّا » مدغمة .

فصل [ في الأمر المراد من قوله : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ

] قوله تعالى :
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ
الظّاهر أنه أمر إيجاب ؛ لأنّه لا سبيل إلى صون روح نفسه ، وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذا الطريق ، وصون النّفس من الهلاك واجب ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن يكون أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه دارا يسكنها ، أو يكون ذلك تعليما له ولمن بعده كيفية عمل السفينة ، ولا يكون ذلك من باب ما لا يتمّ الواجب إلّا به ، فإنّ اللّه - تبارك وتعالى - خلّص موسى وقومه من الطّوفان من غير سفينة ، وكان ذلك معجزة له . وأما قوله : « بأعيننا » فلا يمكن إجراؤه على ظاهره لوجوه :
هامش
( 1 ) ينظر البيت في البحر المحيط 5 / 221 والقرطبي 9 / 21 واللسان ( رزأ ) والدر المصون 4 / 97 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 160 والبحر المحيط 5 / 221 والدر المصون 4 / 97 .