تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
ثم قال :
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي
إن أردت أن أنصح لكم إن كان اللّه يريد أن يغويكم ، أي : يضلكم ، قوله :
« إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ، إِنْ كانَ »
قد تقدّم حكم توالي الشرطين ، وأن ثانيهما قيد في الأوّل ، وأنه لا بد من سبقه للأوّل ، وقال الزمخشريّ هنا :
« إِنْ كانَ اللَّهُ »
جزاؤه ما دل عليه قوله :
« لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي » .
وهذا الدليل في حكم ما دلّ عليه ؛ فوصل بشرط ، كما وصل الجزاء بالشّرط في قوله : « إن أحسنت إلي أحسنت إن أمكنني » . وقال أبو البقاء « 1 » : حكم الشّرط إذا دخل على الشّرط أن يكون الشّرط الثّاني والجواب جوابا للشّرط الأول نحو : « إن أتيتني إن كلمتني أكرمتك » فقولك : « إن كلمتني أكرمتك » جوا ب « إن أتيتني » جميع ما بعده ، وإذا كان كذلك كان الشّرط الأول في الذّكر مؤخّرا في المعنى ، حتّى إن أتاه ثم كلّمه لم يجب الإكرام ، ولكن إن كلّمه ثمّ أتاه وجب الإكرام ، وعلّة ذلك أنّ الجواب صار معوّقا بالشّرط الثاني ، وقد جاء في القرآن منه
إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ
[ الأحزاب : 50 ] . قال شهاب الدّين « 2 » : أما قوله : « إن وهبت . . إن أراد » فظاهره - وظاهر القصة المرويّة - يدلّ على عدم اشتراط تقدّم الشّرط الثاني على الأوّل ، وذلك أنّ إرادته - صلوات اللّه وسلامه عليه - للنكاح إنما هو مرتّب على هبة المرأة نفسها له وكذا الواقع في القصّة ، لمّا وهبت أراد نكاحها ، ولم يرو أنه أراد نكاحها ، فوهبت ، وهو يحتاج إلى جواب ، وسيأتي إن شاء اللّه - تعالى - في موضعه . وقال ابن عطيّة « 3 » هنا وليس نصحي لكم بنافع ، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا أراد اللّه - تعالى - بكم الإغواء ، والشرط الثاني اعتراض بين الكلام ، وفيه بلاغة من اقتران الإرادتين ، وأنّ إرادة البشر غير مغنية ، وتعلّق هذا الشرط هو ب « نصحي » وتعلّق الآخر ب « لا ينفع » . وتلخص من ذلك أنّ الشرط مدلول على جوابه بقوله :
« وَلا يَنْفَعُكُمْ »
لأنّه عقبه ، وجواب الثاني أيضا ما دلّ على جواب الأول وكأنّ التقدير : وإن أردت أن أنصح لكم إن كان اللّه يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي . وهو من حيث المعنى كالشّرط إذا كان بالفاء نحو : إن كان اللّه يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم ، فلا ينفعكم نصحي . وقرأ الجمهور : « نصحي » بضم النون ، وهو يحتمل وجهين : أحدهما : المصدرية كالشّكر والكفر والثاني : أنه اسم لا مصدر . وقرأ عيسى « 4 » بن عمر « نصحي » بفتح النّون ، وهو مصدر فقط .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 38 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 4 / 96 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 167 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 219 ، والدر المصون 4 / 06 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 477 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب