تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
والمعنى : على أنّ العقل والشرع تطابقا على تعظيم المؤمن التّقي ، وإهانة الفاجر ، فلو عظّمت الكافر وطردت المؤمن وأهنته كنت على ضدّ دين اللّه ؛ فأستوجب حينئذ العقاب العظيم ، فمن الذي ينصرني من اللّه ، ومن الذي يخلّصني من عذاب اللّه . واحتجّ قوم بهذه الآية على صدور الذّنب من الأنبياء - عليهم الصلاة والسّلام - فقالوا دلّت الآية على أنّ طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار معصية ، ثم إن محمدا - صلوات اللّه وسلامه عليه - طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه اللّه - عزّ وجلّ - في قوله :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
[ الأنعام : 52 ] . والجواب : يحمل الطّرد المذكور في هذه الآية على الطّرد المطلق المؤبّد ، والطّرد المذكور في واقعة محمد - صلوات اللّه البر الرحيم وسلامه عليه - على المقيّد في أوقات معينة رعاية للمصلحة . ثمّ أكّد هذا البيان فقال :
« وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ »
فآتي منها ما تطلبون ،
« وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ »
فأخبركم بما تريدون . وقيل : إنّهم لمّا قالوا لنوح : إنّ الذين آمنوا بك إنّما اتّبعوك في ظاهر ما ترى منهم ، فأجابهم نوح - عليه الصلاة والسّلام - فقال : لا أقول لكم : عندي خزائن غيوب اللّه التي يعلم منها ما يضمره الناس ، ولا أعلم علم الغيب فأعلم ما يسرونه في نفوسهم ، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم ،
« وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ »
هذا جواب لقولهم :
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
[ هود : 27 ] وقيل معناه : لا أقول إنّي ملك حتّى أتعظّم بذلك عليكم ، بل طريقي الخضوع والتّواضع ، ومن كان طريقه كذلك فإنّه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين . واحتجّ قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء قالوا : لأنّ الإنسان إذا قال : لا أدّعي كذا وكذا ، إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل . ثم أكّد هذا البيان بطريق آخر فقال :
« وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً »
وهذا كالدلالة على أنهم يعيبون أتباعهم ، ويحتقرونهم ، فقال : لا أقول للذين يحتقرونهم : لن يؤتيهم اللّه خيرا ، أي : توفيقا وإيمانا وأجرا
« اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ »
لأنّ ذلك من باب الغيب لا يعلمه إلا اللّه ، فربّما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم اللّه خير ملك في الآخرة ؛ فأكون كاذبا فيما أخبرت به ، فإن فعلت ذلك كنت من الظّالمين لنفسي . قوله :
« وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ »
الظّاهر أنّ هذه الجملة لا محلّ لها عطفا على قوله :
« وَلا أَقُولُ لَكُمْ »
كأنّه أخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث . وقد تقدّم في الأنعام أنّ هذا هو المختار ، وأنّ الزمخشري قال : « إنّ قوله تعالى :
« وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ »
معطوف على
« عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ »
أي : لا أقول : عندي خزائن اللّه ، ولا أقول : أنا أعلم الغيب » . قوله : « تزدري » تفتعل من زرى يزري ، أي : حقر ، فأبدلت تاء الافتعال دالا بعد