تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
الزّاي وهو مطرد ، ويقال : « زريت عليه » إذا عبته ، و « أزريت به » أي : قصّرت به . وعائد الموصول محذوف ، أي تزدريهم أعينكم ، أي : تحتقرهم وتقصّر بهم ؛ قال الشاعر : [ الوافر ]
2964 - ترى الرّجل النّحيف فتزدريه * وفي أثوابه أسد هصور « 1 »
وقال الشاعر أيضا : [ الوافر ]
2965 - يباعده الصّديق وتزدريه * حليلته وينهره الصّغير « 2 »
واللّام في « للّذين » للتّعليل ، أي : لأجل الذين ، ولا يجوز أن تكون التي للتّبليغ إذ لو كانت لكان القيا س « لن يؤتيكم » بالخطاب . قوله تعالى :
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
قرأ ابن عبّاس « 3 » - رضي اللّه عنهما - « جدلنا » كقوله :
أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
[ الكهف : 54 ] . ونقل أبو البقاء أنه قرىء « جدلتنا فأكثرت جدلنا » بغير ألف فيهما ، وقال : « هو بمعنى غلبتنا بالجدل » . وقوله :
« بِما تَعِدُنا »
يجوز أن يكون « ما » بمعنى « الذي » ، فالعائد محذوف ، أي : تعدناه . ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : بوعدك إيّانا . وقوله :
« إِنْ كُنْتَ »
جوابه محذوف أو متقدّم وهو « فأتنا » .

فصل [ في الدلالة على أن نوحا أكثر في الجدال مع قومه ]

دلّت هذه الآية على أنّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - كان قد أكثر في الجدال معهم وذلك الجدال كان في بيان التّوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، وهذا يدلّ على أنّ المجادلة في تقرير الدّلائل وفي إزالة الشّبهات حرفة الأنبياء ، وأنّ التقليد والجهل والإصرار حرفة الكفّار ، ودلّت على أنّهم استعجلوا العذاب الذي كان يعدهم به ، فقالوا :
« فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
ثمّ إنه - عليه الصلاة والسّلام - أجابهم بقوله :
إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ
[ هود : 33 ] أي : أنّ إنزال العذاب ليس إليّ ، وإنما هو خلق اللّه فيفعله إن شاء ، وإذا أراد إنزال العذاب فإنّ أحدا لا يعجزه ، أي : لا يمنعه .
هامش
( 1 ) ينظر البيت في البحر المحيط 5 / 219 واللسان ( نحف ) والدر المصون 4 / 95 . ويروى عجزه :وتحت ثيابه رجل مرير( 2 ) ينظر البيت في البحر المحيط 5 / 219 والقرطبي 9 / 20 والدر المصون 4 / 95 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 166 ، البحر المحيط 5 / 219 ، الدر المصون 4 / 96 .