تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
أن يكون من العبد ، أو من اللّه ، فإن كان من العبد عاد التّقسيم ولزم التسلسل ، وهو محال ، وإن كان من اللّه ، كان مجموع تلك القدرة مع تلك الدّاعية موجبا لذلك الكفر ، فإذا كان خالق القدرة والدّاعية هو اللّه تعالى عاد الإلزام . ثانيها : أن قوله :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ »
لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء ؛ لأنّ النبي - عليه الصلاة والسّلام - ما كان يطلب منهم إلّا إيمانا ينتفعون به في الآخرة ، فبيّن تعالى ؛ أنّه لا قدرة للرّسول على تحصيل هذا الإيمان ، ثم قال :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
فوجب أن يكون المراد منه هذا الإيمان النّافع حتى ينتظم الكلام ، وحمل اللفظ على مشيئة القهر والإلجاء لا يليق بهذا الموضع . وثالثها : أنّ الإلجاء إمّا أن يكون بأن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها ، فيأتي بالإيمان عندها ، وإمّا أن يكون بخلق الإيمان فيهم ، والأول باطل ؛ لأنه تعالى قال :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
[ يونس : 96 ، 97 ] وقال :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الأنعام : 111 ] فبيّن أنّ إنزال الإيمان لا يفيد ، وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا الإلجاء إلى الإيمان ، بل كان عبارة عن خلق الإيمان فيهم ، فيصير المعنى : ولو شاء ربك حصول الإيمان لهم لخلق الإيمان فيهم ، ثم يقال : لكنه ما خلق الإيمان فيهم ، فدلّ على أنّه ما أراد حصول الإيمان لهم ، وهو المطلوب . ثم قال :
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
أي أنه : لا قدرة لك على التّصرف في أحد . قوله : « أفأنت » يجوز في « أنت » وجهان ، أحدهما : أن يرتفع بفعل مقدّر مفسّر بالظّاهر بعده ، وهو الأرجح ؛ لأنّ الاسم قد ولي أداة هي بالفعل أولى . والثاني : أنّه مبتدأ والجملة بعده خبره ، وقد تقدّم ما في ذلك من كون الهمزة مقدمة على العاطف أو ثمّ جملة محذوفة كما هو رأي الزمخشري . وفائدة إيلاء الاسم للاستفهام إعلام بأنّ الإكراه ممكن مقدور عليه ، وإنّما الشّأن في المكره من هو ؟ وما هو إلا هو وحده لا مشاركة فيه لغيره . و « حتّى » غاية للإكراه . قوله :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ
كقوله :
أَنْ تَمُوتَ
[ آل عمران : 145 ] وقد تقدم في آل عمران [ 145 ] . والمعنى : ما ينبغي لنفس . وقيل : ما كانت لتؤمن إلّا بإذن اللّه . قال ابن عبّاس : بأمر اللّه « 1 » . وقال عطاء : بمشيئة اللّه « 2 » . وقيل : بعلم اللّه .
« وَيَجْعَلُ »
قرأ أبو بكر « 3 » عن عاصم بنون العظمة . والباقون : بياء الغيبة وهو اللّه تعالى . وقرأ
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 370 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : السبعة ص ( 330 ) ، الحجة 4 / 306 ، إعراب القراءات 1 / 276 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 120 .