تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣

فصل [ في معنى قوله تعالى : فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ

] قيل : السؤال كان عن القرآن ، ومعرفة نبوّة الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - . وقيل : السؤال راجع إلى قوله
فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ
والأول أولى ؛ لأنّه الأهمّ . ولمّا بين هذا الطريق قال :
لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
أي : ثبت عنده بالآيات والبراهين القاطعة أنّ ما أتاك هو الحق :
« فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ »
أي : لا مدخل للمرية فيه
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
أي : أثبت ، ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية ، وانتفاء التكذيب بآيات اللّه . وروي أنّه عليه الصلاة والسّلام قال عند نزوله : « لا أشكّ ولا أسأل بل أشهد أنّه الحقّ » « 1 » . ثم لمّا فصّل تعالى هذا التفصيل ، بيّن أنّ له عبادا ، قضى عليهم بالشّقاء ، فلا تتغيّر ، وعبادا قضى لهم بالكرامة ، فلا تتغير ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ .
قرأ نافع « 2 » وابن عامر كلمات على الجمع ، والباقون : بالإفراد . فكلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة بحسب الجنسية . والمراد بهذه الكلمة : حكم اللّه بذلك ، وإخباره عنه ، وخلقه في العبد مجموع القدرة ، والدّاعية الموجبة لحصول ذلك الأثر . واحتجّوا بهذه الآية على صحّة القول بالقضاء والقدر . ثم قال
وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
أي : أنهم لا يؤمنون ألبتّة ، ولو جاءتهم الدّلائل التي لا حدّ لها ولا حصر ؛ لأنّ الدّليل لا يهدي إلّا بإعانة اللّه ، فإذا لم تحصيل الإعانة ضاعت تلك الدّلائل . القصة الثالثة قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ
الآية . لمّا بيّن بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
أتبعه بهذه الآية ؛ لأنّها دالة على أنّ قوم يونس آمنوا بعد كفرهم ، وانتفعوا بذلك الإيمان ، فدلّ ذلك على أنّ الكفّار فريقان : فريق ختم له بالإيمان . وفريق ختم له بالكفر ، وكلّ ما قضى اللّه به فهو واقع . قوله : « فلو لا » لولا هنا تحضيضية ، وفيها معنى التّوبيخ ؛ كقول الفرزدق : [ الطويل ]
2938 - تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا « 3 »
هامش
( 1 ) أخرجه عبد الرزاق ( 10211 ) والطبري في « تفسيره » ( 6 / 610 ) عن قتادة مرسلا . ( 2 ) تقدمت . ( 3 ) تقدم .