تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
قرية آمنت عند معاينة العذاب ،
« فَنَفَعَها إِيمانُها »
في حال اليأس
« إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ » ،
فإنّهم نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت ، و « قوم » نصب على الاستثناء المنقطع ، أي : ولكن قوم يونس
« لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ » ،
وهي وقت انقضاء آجالهم ، واختلفوا في أنّهم هل رأوا العذاب عيانا فقال بعضهم : رأوا دليل العذاب . والأكثرون على أنّهم رأوا العذاب عيانا لقوله :
كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ ،
والكشف يكون بعد الوقوع ، أو إذا قرب قوله :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ »
يا محمّد
« لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً » .
واعلم أنّ هذه السّورة من أوّلها إلى هنا في بيان شبهات الكفار في إنكار النبوة ، والجواب عنها ، وكانت إحدى شبهاتهم ؛ أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يهدّدهم بنزول العذاب على الكفّار ، ويعد أتباعه أن اللّه ينصرهم ، ويعلي شأنهم ، ويقوي جانبهم ، ثمّ إنّ الكفّار ما رأوا ذلك ؛ فجعلوا ذلك شبهة في الطّعن في نبوته ، وكانوا يبالغون في استعجال العذاب على سبيل السخرية ، ثم إن اللّه تعالى بيّن أنّ تأخير الموعود به لا يقدح في صحّة الوعد ، ومن ثم ضرب لهذا أمثلة ، وهي قصّة نوح - عليه السّلام - وموسى - عليه السّلام - إلى هاهنا . ثم في هذه الآية بيّن أنّ جدّ الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع ، ومبالغته في تقرير الدلائل في الجواب عن الشبهات لا يفيد ؛ لأن الإيمان لا يحصل إلا بخلق اللّه ، ومشيئته وإرشاده ، وهدايته ، إذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الإيمان .

فصل [ في الاستدلال على أن جميع الكائنات لا تحصل إلا بمشيئة اللّه تعالى ]

استدلّوا بهذه الآية على أنّ جميع الكائنات لا تحصل إلا بمشيئة اللّه تعالى ؛ لأنّ كلمة « لو » تفيد انتفاء الشّيء لانتفاء غيره ، فقوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
يقتضي أنّه ما حصلت تلك المشيئة ، وما حصل إيمان أهل الأرض بالكليّة ، فدلّ هذا على أنّه تعالى ما أراد الكل ، وأجاب الجبائيّ ، والقاضي وغيرهما أنّ المراد مشيئة الإلجاء ، أي : لو شاء اللّه أن يلجئهم إلى الإيمان لقدر عليه ، ولكنّه ما فعل ذلك ؛ لأنّ الإيمان الصّادر من العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه ، ولا يفيده فائدة ، ثم قال الجبائيّ : ومعنى إلجاء اللّه تعالى إيّاهم إلى ذلك ، أن يعرّفهم أنّهم لو حاولوا تركه حال اللّه بينهم وبين ذلك ، وعند هذا لا بدّ وأن يفعلوا ما ألجئوا إليه . والجواب من وجوه : أحدها : أنّ الكافر لو كان قادرا على الكفر ، ولم يقدر على الإيمان ، فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر ، فإذا كان خالق تلك القدرة هو اللّه تعالى لزم أن يقال : إنّه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر ؛ فوجب أن يقال : أراد منه الكفر ، وإن كانت القدرة صالحة للضّدين ، فرجحان أحد الطّرفين على الآخر - إن لم يتوقف على المرجح - فقد حصل الرجحان لا لمرجح ، وهو باطل ، وإن توقف على مرجح ، فذلك المرجح إمّا