تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠

فصل [ في أنه في كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان ]

في كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان : الأول : أنّ اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد - عليه الصلاة والسّلام - ويفتخرون به على سائر النّاس ، فلمّا بعثه اللّه تعالى كذّبوه حسدا ، وبغيا وإيثارا لبقاء الرّياسة ، وآمن به طائفة منهم ، فبهذا الطريق كان سببا لحدوث الاختلاف فيهم . الثاني : أنّ هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفارا محضا بالكلّيّة ، وبقوا على هذه الحالة حتّى جاءهم القرآن ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي قوم كفارا . ثم قال :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
أي : أنّ هذا الاختلاف لا يمكن إزالته في دار الدنيا ، وإنّما يقضى بينهم في الآخرة ، فيتميز المحق من المبطل . قوله :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ
الآية . قال الواحديّ « الشّك في اللغة ، ضمّ بعض الشّيء إلى بعض ، يقال : شككت الصّيد إذا رميته فنظمت يده إلى أو رجله إلى رجله ، والشّكائك من الهوادج ما شكّ بعضها ببعض والشّكاك : البيوت المصطفّة ، والشّكائك : الأدعياء ؛ لأنّهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم ، أي : يضمّون ، وشكّ الرّجل في السّلاح ، إذا دخل فيه وضمّه إلى نفسه . فإذا قالوا : شكّ فلان في الأمور أرادوا أنّه وقف نفسه بين شيئين ، فيجوز هذا ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه » . ولمّا ذكر اختلافهم عندما جاءهم العلم ذكر في هذه الآية ما يقوّي قلبه في صحّة القرآن والنبوة . وفي « إن » هذه وجهان : أظهرهما : أنّها شرطية ، واستشكلوا على ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن في شكّ قط قال الزمخشريّ : « فإن قلت : كيف قال لرسوله :
« فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ »
مع قوله للكفرة :
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
[ هود : 110 ] ؟ قلت : فرق عظيم بين إثباته والتّمثيل » . وقال أبو حيان : فإذا كانت شرطية فقالوا : إنّها تدخل على الممكن وجوده أو المحقّق وجوده ، المبهم زمن وقوعه ، كقوله تعالى :
« أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
[ الأنبياء : 34 ] قال : « والذي أقوله إنّ « إن » الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء ، ولا تستلزم تحقّق وقوعه ولا إمكانه ، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلا كقوله تعالى
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
[ الزخرف : 81 ] ، ومستحيل أن يكون له ولد فكذلك مستحيل أن يكون في شك ، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى :
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 35 ] لكنّ وقوعها في تعليق المستحيل قليل » . ثم قال : « ولمّا خفي هذا الوجه على أكثر النّاس ؛ اختلفوا في تخريج هذه الآية ، فقال ابن عطيّة : الصّواب أنّها مخاطبة له ، والمراد من سواه من أمته ممن يمكن أن يشكّ
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 410 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب