تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
أو يعارض ؛ كقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ
[ الأحزاب : 1 ] وقوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] ويدلّ على ذلك قوله في آخر السورة :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي
[ يونس : 104 ] وأيضا لو كان شاكّا في نبوة نفسه ؛ لكان شك غيره في نبوته أولى ، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية ، وأيضا فبتقدير أن يكون شاكّا في نبوّة نفسه ، فكيف يزول هذا الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم كفار ، وإن كان قد حصل فيهم مؤمن إلّا أن قوله ليس بحجة ، لا سيّما وقد تقرّر أنهم حرّفوا التوراة ، والإنجيل ؛ فثبت أنّ هذا الخطاب وإن كان في الظّاهر مع الرسول إلّا أنّ المراد هو الأمة ، وعلى هذا فإنّ الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة : المصدقون ، والمكذبون ، والمتوقفون في أمره الشّاكون فيه ، فخاطبهم اللّه تعالى بهذا الخطاب فقال : أيّها الإنسان :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحّة نبوّته » . ولمّا ذكر اللّه تعالى لهم ما يزيل الشّك عنهم ، حذّرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني ، وهم المكذّبون ، فقال :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
[ يونس : 95 ] الآية . وقيل : كنى بالشّك عن الضّيق . وقيل : كنى به عن العجب ، ووجه المجاز فيه أنّ كلّا منهما فيه تردّد ، وقال الكسائيّ : إن كنت في شكّ أنّ هذه عادتهم مع الأنبياء ؛ فسلهم كيف صبر موسى - عليه السّلام - ؟ . وقيل : إنه تعالى علم أنّ الرسول لم يشك في ذلك ، إلّا أنّ المقصود منه أنّه متى سمع هذا الكلام فإنّه يصرخ ويقول « يا ربّ لا أشك ، ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب ، بل يكفيني ما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة » ونظيره قوله تعالى للملائكة :
أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ
[ سبأ : 40 ] والمقصود أن يصرّحوا بالجواب الحق ويقولوا :
سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ
[ سبأ : 41 ] . وكقوله لعيسى - عليه الصلاة والسّلام -
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] والمقصود منه أن يصرح عيسى بالبراءة عن ذلك . وقيل : التقدير إنّك لست بشاك البتة . ولو كنت شاكا لكان لك طرق كثيرة في إزالة الشّك كقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] أي : أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعا ؛ لزم فيه المحال الفلاني ، فكذا ههنا ، ولو فرضنا وقوع الشّك فارجع إلى التّوراة ، والإنجيل لتعرف بهما أنّ هذا الشك زائل . والوجه الثاني من وجهي إن أنّها نافية . قال الزمخشري : « أي : فما كنت في شكّ فاسأل ، يعنى لا نأمرك بالسّؤال لكونك شاكا ، ولكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم - عليه الصلاة والسّلام - بمعاينة إحياء الموتى » وهذا القول سبقه إليه الحسن البصريّ والحسين بن الفضل ، وكأنّه فرار من الإشكال المتقدّم في جعلها شرطية ، وقد تقدّم جوابه من وجوه .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 411 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب