تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
الطّعن فيه ، علمنا أنّه أتى بتلك الأقاصيص ، مطابقة للتوراة والإنجيل ، مع أنّه ما طالعهما ، ولا تتلمذ لأحد فيهما ، فدلّ ذلك : على أنّه إنما أتى بهذه الأشياء من قبل الوحي . الحجة الثانية : أنّ كتب اللّه المنزّلة ، دلّت على مقدم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما تقدم في تفسير قوله :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[ البقرة : 40 ] فكان مجيء محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم موافقا لهما في تلك الكتب ، ومصدقا لما فيها من البشارة بمجيئه ، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه . والدليل الثاني : قوله تعالى :
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
واعلم : أنّ العلوم : إمّا أن تكون دينيّة ، أو ليست دينيّة . والقسم الأول أرفع حالا ، وأعظم شأنا من القسم الثاني ، والدينيّة : إمّا أن تكون علم العقائد والأديان ، أو علم الأعمال . فأما علم العقائد والأديان : فهو عبارة عن معرفة ذاته ، ومعرفة صفات جلاله ، وصفات أفعاله ، وأحكامه ، وأسمائه ، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل ، وتفاريعها ، وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب ، ولا يقرب منه . وأمّا علم الأعمال فهو : إمّا عبارة عن علم التكاليف الظاهرة ، وهو علم الفقه ، ومعلوم أنّ جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن . وإمّا عبارة عن علم الباطن ورياضة القلوب ؛ ففي القرآن من مباحث هذا العلم ، ما لا يكاد يوجد في غيره ؛ كقوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] الآية ، إلى غير ذلك . فثبت أنّ القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة ؛ فكان ذلك معجزا . ثم قال :
لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
وذلك لأنّ الكتاب الطويل المشتمل على العلوم الكثيرة ؛ لا بدّ وأن يقع فيه نوع من التناقض ، وحيث خلا هذا الكتاب عنه ، علمنا أنّه من عند اللّه ، قال - تعالى - :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] . قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ
الآية . لمّا أقام الدّلائل على أنّ هذا القرآن ، لا يليق بحاله أن يكون مفترى ، أعاد مرّة أخرى بلفظ الاستفهام ، على سبيل الإنكار ، إبطال هذا القول ، فقال :
« أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ » ،
وقد تقدّم تقرير هذه الحجّة في البقرة ، عند قوله :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] . قوله :
« أَمْ يَقُولُونَ »
: في « أم » هذه وجهان :