تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
والثالث : أنّه معترض بين « تصديق » ، وبين
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
قال الزمخشري « 1 » : « فإن قلت : بم اتّصل قوله :
« لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » ؟
. قلت : هو داخل في حيّز الاستدراك ، كأنّه قيل : ولكن تصديقا ، وتفصيلا منتفيا عنه الريب ، كائنا من ربّ العالمين ، ويجوز أن يراد به : ولكن كان تصديقا من ربّ العالمين ، وتفصيلا منه ، لا ريب في ذلك ، فيكون
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
: متعلّقا ب « تصديق » ، و « تفصيل » ، ويكون
« لا رَيْبَ فِيهِ »
: اعتراضا ، كما تقول : زيد - لا شكّ فيه - كريم » . انتهى . قوله :
« مِنْ رَبِّ »
: يجوز فيه أوجه : أحدها : أن يكون متعلّقا ب « تصديق » أو ب « تفصيل » وتكون المسألة من باب التنازع ، إذ يصحّ أن يتعلّق بكلّ من العاملين ، من جهة المعنى ، وهذا هو الذي أراد الزمخشري ، بقوله : فيكون
« مِنْ رَبِّ »
: متعلقا ب « تصديق » ، و « تفصيل » ، يعني : أنه متعلّق بكل منهما ، من حيث المعنى ، وأمّا من حيث الإعراب ، فلا يتعلّق إلّا بأحدهما ، وأمّا الآخر فيعمل في ضميره ، كما تقدّم تحريره ، والإعمال هنا حينئذ إنّما هو للثّاني ، بدليل الحذف من الأول . والوجه الثاني : أن
« مِنْ رَبِّ »
: حال ثانية . والثالث : أنّه متعلّق بذلك الفعل المقدّر ، أي : أنزل للتّصديق من ربّ العالمين .

فصل [ في معنى الآية : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى . . .

] المعنى : وما ينبغي لمثل هذا القرآن ، أن يفترى من دون اللّه ، كقوله :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
[ آل عمران : 161 ] ، وقيل : « أن » بمعنى : اللّام ، أي : وما كان هذا القرآن ليفترى ، كقوله :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
[ التوبة : 122 ] ، و
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 179 ] ، و
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
[ آل عمران : 179 ] أي : ليس وصفه هذا القرآن وصف شيء يمكن أن يفترى على اللّه ، والافتراء : الافتعال ، من أفريت الأديم : إذا قدّرته للقطع ، ثم استعمل في الكذب ، كما استعمل قولهم : اختلق فلان الحديث في الكذب ، ثم إنّه - تعالى - احتجّ على صحّة الدّعوى بأمور : الأول : قوله :
وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
أي : إن محمّدا - عليه الصلاة والسّلام - كان رجلا أمّيّا ، لم يتعلّم العلم ، وما كانت مكّة بلدة العلماء ، وليس فيها شيء من كتب العلم ، ثم إنّه - عليه الصلاة والسّلام - أتى بهذا القرآن المشتمل على أقاصيص الأولين ، والقوم كانوا في غاية العداوة له ، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التّوراة ، والإنجيل ، لقدحوا فيه وبالغوا في الطّعن ، فلمّا لم يقل أحد ذلك ، مع شدّة حرصهم على
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 347 .