تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
لما شرح أنواع قبائح أفعالهم ، بين أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة . قوله :
« بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ »
مبتدأ وخبر ، أي : من جنس بعض ، ف « من » هنا لبيان الجنس وقيل : للتبعيض ، أي : إنهم إنما يتو الدون بعضهم من بعض على دين واحد ، وقيل : أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق ، ثم فصل هذا الكلام فقال :
« يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ » .
هذه الجملة لا محل لها ؛ لأنها مفسرة لقوله :
« بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ » ،
وكذلك ما عطف على « يأمرون » ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح ، ولفظ المعروف يدخل فيه كل حسن ، إلا أن الأعظم هاهنا من المنكر الشرك والمعصية ، والمراد الأعظم هاهنا من المعروف الإيمان بالرسول
« وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ »
أي : يمسكونها عن الصدقة ، والإنفاق في سبيل الله .
« نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ »
تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في العقبى . وإنما حملنا النسيان على الترك ، لأن من نسي شيئا لم يذكره ، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم ، ولأن النسيان ليس في وسع البشر ، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل ، وهو ما ذكرنا من الترك ؛ لأنهم تركوا أمر الله حتى صاروا كالنسي المنسي ، فجازاهم بأن صيرهم كالشئ المنسي ، كقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] ثم قال :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ
أي : الكاملون في الفسق . قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ
الآية . قال القرطبي وغيره : يقال : وعد الله بالخير وعدا ، ووعد بالشر وعيدا . وقيل : لا يقال من الشر إلا « أوعدته » و « توعدته » وهذه الآية رد عليه . لما بين في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم ، أي : جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله ، أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى الكفار فيه ، فقال :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ
الآية . وقوله : « خالدين » حال من المفعول الأول للوعد ، وهي حال مقدرة ؛ لأن هذه الحال لم تقارن الوعد . وقوله :
« هِيَ حَسْبُهُمْ »
لا محل لهذه الجملة الاستئنافية . والمعنى : أن تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها ، ولا يمكن الزيادة عليها . ثم قال :
« وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ »
أبعدهم الله من رحمته ،
وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ
دائم . فإن قيل : معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكرارا . فالجواب : من وجهين : الأول : أن لهم نوعا آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنار والخلود المذكور أولا ، ولا يدل على أن العذاب بالنار دائم . وقوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ
يدل على أن لهم مع ذلك نوعا آخر من العذاب . فإن قيل هذا مشكل ؛ لأنه قال في النار المخلدة :
« هِيَ حَسْبُهُمْ »
وكونها حسبا يمنع
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 141 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب