تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الثاني : أن « الذي » صفة لمفرد مفهم للجمع ، أي : وخضتم خوضا كخوض الفوج الذي خاضوا ، أو الفريق الذي خاضوا والكلام في العائد كما سبق قبل . قال بعض المفسرين : « الذي » اسم ناقص مثل « ما ، ومن » يعبر به عن الواحد والجمع ، كقوله تعالى :
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
ثم قال
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ البقرة : 17 ] . الثالث : أن « الذي » من صفة المصدر ، والتقدير : وخضتم خوضا كالخوض الذي خاضوه وعلى هذا فالعائد منصوب من غير واسطة حرف جر . وهذا الوجه ينبغي أن يكون هو الراجح ، إذ لا محذور فيه . والرابع : أن « الذي » تقع مصدرية ، والتقدير : وخضتم خوضا . ومثله : [ البسيط ]
2812 - فثبت الله ما آتاك من حسب * في المرسلين ونصرا كالذي نصروا « 1 »
أي : كنصرهم . وقول الآخر : [ البسيط ]
2813 - يا أم عمرو جزاك الله مغفرة * ردي علي فؤادي كالذي كانا « 2 »
أي : ككونه . وقد تقدم أن هذا مذهب الفراء ، ويونس ، وقد تقدم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشري « 3 » « فإن قلت : أي فائدة في قوله :
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ،
وقوله
كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
مغن عنه ، كما أغنى
« كَالَّذِي خاضُوا » ؟
قلت : فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ، ورضاهم بها عن النظر في العاقبة ، وطلب الفلاح في الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الراضي به ، ثم شبه حال المخاطبين بحالهم ، وأما
« وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا »
فمعطوف على ما قبله ومسند إليه ، مستغن بإسناداه إليه عن تلك المقدمة يعني : أنه استغنى عن أن يكون التركيب : وخاضوا ، فخضتم كالذي خاضوا » . وفي قوله
كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ
إيقاع للظاهر موقع المضمر ، لنكتة ، وهو أنه كان الأصل : فاستمتعم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم ؛ فأبرزهم بصورة الظاهر تحقيرا لهم ، كقوله :
لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
[ مريم : 44 ] ، وكقوله قبل ذلك :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ،
ثم قال :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ التوبة : 67 ] وهذا كما يدل بإيقاع الظاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم ، يدل به على عكسه ، وهو التحقير .

فصل [ في معنى الآية : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً . .

] معنى الآية : إنكم فعلتم كفعل الذين من قبلكم ، بالعدول عن أمر الله والأمر بالمنكر ، والنهي عن المعروف ، وقبض الأيدي عن الخيرات ، و
« كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً »
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لجرير : ينظر : الديوان 594 ، والمحتسب 2 / 189 ، والدر المصون 3 / 483 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 288 .