تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
يجوز تقديم ما بعد « لا » الناهية عليها ، لكونه مجزوما بها ، فقد تقدّم المعمول ، حيث لا يتقدّم للعامل ذكر ، ذكر ذلك عند استدلالهم على جواز تقديم خبر « ليس » بقوله
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
[ هود : 8 ] .

فصل [ في الفرق بين : أتستهزىء باللّه وأباللّه تستهزىء ]

فرق بين قولك : أتستهزىء باللّه ، وبين قولك : أباللّه تستهزىء ، فالأوّل يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء ، والثاني يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في اللّه ، كأنه يقول : هب أنك تقدم على الاستهزاء إلا أنه كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في اللّه كقوله تعالى :
لا فِيها غَوْلٌ
[ الصافات : 47 ] والمقصود : ليس نفي الغول ، بل نفي أن يكون خمر الجنّة محلّا للغول . ومعنى الاستهزاء باللّه : هو الاستهزاء بتكاليف اللّه ، والاستهزاء بذكر اللّه ، فإنّ أسماء اللّه قد يستهزئ بها الكافر ، كما أنّ المؤمن يعظمها . والمراد بالاستهزاء ب « آياته » هو القرآن ، وسائر ما يدلّ على الدين ، والرسول معلوم . قوله :
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ .
نقل الواحديّ عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين ، الأول : أنّه عبارة عن محو أثر الذنب ، وأصله من : تعذرت المنازل ، أي : درست ، وامّحت آثارها ؛ قال ابن أحمر : [ البسيط ]
2810 - قد كنت تعرف آيات فقد جعلت * أطلال إلفك بالوعساء تعتذر « 1 »
فالمعتذر يزاول محو ذنبه . والثاني : قال ابن الأعرابي : أصله من العذر ، وهو القطع ، ومنه العذرة ؛ لأنّها تقطع بالافتراغ . ويقولون : اعتذرت المياه ، أي : انقطعت ، فكأنّ المعتذر يحاول قطع الذّم عنه . قوله :
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
يدلّ على أنّ الاستهزاء بالدّين كيف كان كفرا ؛ لأنه استخفاف بالدين ، والعمدة في الإيمان تعظيم اللّه تعالى ، ويدل على أنّ القول الذي صدر منهم كان كفرا في الحقيقة . فإن قيل : كيف قال
كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
وهم لم يكونوا مؤمنين ؟ فالجواب : قال الحسن : أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان « 2 » . فصل قال ابن العربي : « لا يخلو ما قالوا من أن يكون جدا ، أو هزلا ، وهو كيفما كان
هامش
( 1 ) ينظر : شرح المفضليات 1 / 408 ، واللسان ( عذر ) ، والتهذيب 2 / 311 ( عذر ) والقرطبي 8 / 198 ، والبحر المحيط 5 / 63 ، والعمدة لابن رشيق 2 / 180 ، والدر المصون 3 / 480 . ( 2 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 16 / 99 ) عن الحسن .