تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
بطشا ومنعة ،
« وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً »
إنما استمتعوا مدة بالدنيا ، باتباع الشهوات ، ورضوا به عوضا عن الآخرة ،
« فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ » ،
والخلاق : النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير .
كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
وسلكتم سبيلهم
« وَخُضْتُمْ »
في الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله ، والاستهزاء بالمؤمنين ،
« كَالَّذِي خاضُوا »
أي : كما خاضوا .
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أي : بطلت حسناتهم في الدنيا بسبب الموت والفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف ، وفي الآخرة ؛ لأنهم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب .
وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
حيث أتبعوا أنفسهم في الرد على الأنبياء ، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدنيا والآخرة ، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم . روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى إذا دخلوا حجر ضب لا تبعتموهم » قيل : يا رسول الله اليهود والنصارى قال : « فمن ؟ » وفي روآية أبي هريرة : فهل الناس إلا هم « 1 » ؟ فلهذا قال في المنافقين
« بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ » ،
وقال في المؤمنين : « بعضهم أولياء بعض » أي : في الدين واتفاق الكلمة ، والعون ، والنصرة ،
« يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ »
بالإيمان والطاعة والخير ، وقد تقدم الكلام على
« يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ » .
« وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ »
عن الشرك والمعصية ، وما لا يعرف في الشرع
« وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ »
المفروضة
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
فالسين للاستقبائل ، إذ المراد رحمة خاصة ، وهي ما خبأه لهم في الآخرة . وادعى الزمخشري : أنها تفيد وجوب الرحمة وتوكيد الوعد والوعيد ، نحو : سأنتقم منك ، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونظيره :
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
[ مريم : 96 ]
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ
[ الضحى : 5 ]
سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ
[ النساء : 152 ] . ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب ؛ لأن العزيز هو الذي لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة ، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما تقتضيه الحكمة . قوله تعالى :

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 72 إلى 80 ]

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 74 ) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 ) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 13 / 312 - 313 ) كتاب الاعتصام : باب قوله صلى الله عليه وسلم : « لتتبعن سنن من كان قبلكم » ( 7320 ) ومسلم 4 / 2054 كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى ( 6 - 2669 ) .