تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
قال الكلبي ، ومقاتل ، وقتادة : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين ، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول ، والآخر يضحك « 1 » . قيل : كانوا يقولون : إنّ محمدا يزعم أنه يغلب الروم ، ويفتح مدائنهم ، هيهات هيهات ما أبعده عن ذلك . وقيل : كانوا يقولون : إنّ محمدا يزعم أنّه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن ، وإنما هو قوله وكلامه ، فأطلع اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك فقال : « احبسوا الرّكب عليّ » فدعاهم وقال لهم : « قلتم كذا وكذا » فقالوا : إنّما كنّا نتحدث ونخوض في الكلام ، كما يفعل الرّكب لقطع الطريق بالحديث واللعب . قال ابن عمر : رأيت عبد اللّه بن أبيّ يشتد قدام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والحجارة تنكيه ، وهو يقول :
« إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ » .
ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول
« أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ » .
ولا يلتفت إليه « 2 » . وقال أبو مسلم : قوله :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ
[ التوبة : 64 ] إنّ القوم أظهروا هذا الخبر استهزاء ، فبيّن تعالى في هذه الآية أنّه إذا قيل لهم : لم فعلتم ذلك ؟ قالوا : لم نقل ذلك إلّا لأجل أنا كنا نخوض ونعلب .

فصل في بيان أصل الخوض

قال الواحديّ : أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ، ثم كثر حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى ، والمعنى : إنّما كنّا نخوض في الباطل من الكلام كما يخوض الركب لقطع الطريق ، فأجابهم الرسول بقوله :
« أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ » .
قوله : « . . أباللّه . . » متعلق بقوله : « تستهزئون » . و « تستهزئون » خبر « كان » وفيه دليل على تقديم خبر « كان » عليها ؛ لأنّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل ، وقد تقدّم معمول الخبر على « كان » فليجز تقديمه بطريق الأولى . وفيه بحث ، وذلك أنّ ابن مالك قدح في هذا الدّليل ، بقوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
[ الضحى : 9 ، 10 ] قال : ف « اليتيم » ، والسائل قد تقدما على « لا » الناهية ، والعامل فيهما ما بعدهما ولا
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 456 ) عن الكلبي وعزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وأبي الشيخ . وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 308 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 409 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 455 - 456 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر . وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 308 ) عن عمر .