قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 113 ]
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 )
أي : أكل تبرّك ، لا أكل حاجة ، وقال الماوردي « 1 » : لأنّهم لما احتاجوا لم ينهوا عن السّؤال ، وقيل : أرادوا الأكل للحاجة .
وقوله :
« وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا »
أي : إنّا وإن علمنا قدرة اللّه تعالى بالدّليل ، ولكنّا إن شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين ، وقويت الطّمأنينة .
وقيل : المعنى إنّا وإن علمنا صدقك بسائر المعجزات ، ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان ، وهذا معنى قوله :
« وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا »
: أنّك رسول اللّه .
قيل : إنّ عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما ، فإذا أفطروا لا يسألون اللّه شيئا إلّا أعطاهم ، ففعلوا وسألوه المائدة ، وقالوا :
« نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا »
في قولك : « إنّا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل اللّه شيئا إلّا أعطانا » .
وقيل : إنّ جميع المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضيّة ، وهذه سماويّة ، وهي أعجب وأعظم ،
« وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ »
نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، ويكونوا شاهدين للّه تعالى بكمال القدرة .
وقرأ الجمهور : « ونعلم » : و « نكون » بنون المتكلم مبنيّا للفاعل ، وقرأ « 2 » ابن جبير - رضي اللّه عنه - فيما نقله عنه ابن عطيّة - « وتعلم » بضم التاء على أنه مبنيّ للمفعول ، والضمير عائد على القلوب ، أي : وتعلم قلوبنا ، ونقل عنه « ونعلم » بالنون مبنيّا للمفعول ، وقرىء « 3 » :
« ويعلم » بالياء مبنيّا للمفعول ، والقائم مقام الفاعل :
« أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا »
أي : ويعلم صدقك لنا ، ولا يجوز أن يكون الفعل في هذه القراءة مسندا لضمير القلوب ؛ لأنه جار مجرى المؤنّث المجازيّ ، ولا يجوز تذكير فعل ضميره ، وقرأ الأعمش : [ « وتعلم » ] بتاء والفعل مبنيّ للفاعل ، وهو ضمير القلوب ، ولا يجوز أن تكون التاء للخطاب ؛ لفساد المعنى ، وروي « 4 » : « وتعلم » بكسر حرف المضارعة ، والمعنى على ما تقدّم ، وقرىء « 5 » : « وتكون » بالتاء والضمير للقلوب .
و « أن » في
« أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا »
مخفّفة ، واسمها محذوف ، و « قد » فاصلة ؛ لأنّ الجملة الواقعة خبرا لها فعلية متصرّفة غير دعاء ، وقد عرف ذلك مما تقدّم في قوله :
أَلَّا تَكُونَ
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 6 / 236 .
( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 260 ، والبحر المحيط 4 / 59 ، والدر المصون 2 / 653 .
( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 59 ، والدر المصون 2 / 653 .
( 4 ) قرأ بها الأعمش كما في مختصر ابن خالويه 36 ، وينظر : التخريجات النحوية 268 ، والدر المصون 2 / 653 .
( 5 ) قرأ بها سنان وعيسى كما في البحر المحيط 4 / 59 ، وينظر : الدر المصون 2 / 653 .