تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
وإن كان ضعيفا - عن ثابت عن أنس - رضي اللّه عنهما - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض ، فقال : يا ابن أخي ، ادع ربّك الذي تعبده فيعافيني ، فقال : اللهمّ اشف عمّي ، فقام أبو طالب ، كأنما نشط من عقال ، فقال : يا ابن أخي ، إنّ ربّك الذي تعبد ليطيعك ، قال : وأنت يا عمّاه ، لو أطعته ، أو : لئن أطعت اللّه ، ليطيعنّك ، أي : ليجيبنّك إلى مقصودك « 1 » ، قال شهاب الدين « 2 » : والذي حسّن ذلك المقابلة منه صلى اللّه عليه وسلم للفظ عمّه ، كقوله :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] وقيل : التقدير : هل يطيع ؟ فالسين زائدة ؛ كقولهم : استجاب وأجاب ، قال : [ الطويل ]
2086 - وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب « 3 »
وبهذه الأجوبة يستغنى عن قول من قال : « إنّ « يستطيع » زائدة » ، والمعنى : هل ينزّل ربّك ؛ لأنّه لا يزاد من الأفعال إلّا [ « كان » بشرطين ، وشذّ زيادة غيرها في مواضع عددتها في غير هذا الكتاب ، على أنّ الكوفيّين يجيزون زيادة بعض الأفعال ] مطلقا ، حكوا : « قعد فلان يتهكّم بي » ؛ وأنشدوا : [ الوافر ]
2087 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رماد « 4 »
وحكى البصريّون على وجه الشّذوذ : « ما أصبح أبردها ، وما أمسى أدفأها » يعنون الدّنيا . قال ابن الخطيب « 5 » : وأمّا القراءة الثّانية ففيها إشكال ، وهو أنّه تعالى حكى عنهم أنّهم قالوا : « آمنا واشهد بأنا مسلمون » ، وبعد الإيمان كيف يجوز أن يقال : إنهم بقوا شاكّين في اقتدار اللّه على ذلك ؟ . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنّه - تبارك وتعالى - ما وصفهم بالإيمان والإسلام ، بل حكى عنهم ادّعاءهم لهما ، ثمّ تبع ذلك بقوله - حكاية عنهم - « هل يستطيع ربّك أن ينزّل علينا مائدة من السّماء » ؟ فدلّ ذلك على أنّهم كانوا شاكّين متوقّفين ، فإنّ هذا اللّفظ لا يصدر ممّن كان كاملا في الإيمان . وقالوا :
« وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا »
، وهذا يدلّ على مرض في القلب ، وكذا قول عيسى - عليه الصلاة والسلام - لهم :
« اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
، يدلّ على أنّهم ما كانوا كاملين في الإيمان .
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم ( 1 / 542 ) والخطيب ( 8 / 377 ) والبيهقي في دلائل النبوة ( 6 / 184 ) من طريق الهيثم بن ثابت عن أنس وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله : قلت : الهيثم تركوه . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 2 / 649 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 12 / 107 .