تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
فليست بمائدة ، هذا هو المشهور ، إلا أن الراغب « 1 » قال : « والمائدة : الطبق الذي عليه طعام ، ويقال لكلّ واحد منها مائدة » ، وهو مخالف لما عليه المعظم ، وهذه المسألة لها نظائر في اللغة ، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه طعام ، وإلا فهو خوان ، ولا يقال كأس إلا وفيها خمر ، وإلا فهي قدح ، ولا يقال ذنوب وسجل إلا وفيه ماء ، وإلا فهو دلو ، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوع وإلا فهو إهاب ، ولا قلم إلّا وهو مبريّ وإلا فهو أنبوب ، واختلف اللغويون في اشتقاقها ، فقال الزجّاج « 2 » - رحمه اللّه تعالى - : « هي من ماد يميد إذا تحرّك ، ومنه قوله :
رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ
[ الأنبياء : 31 ] ومنه : ميد البحر » ، وهو ما يصيب راكبه ، فكأنها تميد بما عليها من الطعام . وقال أهل الكوفة : لأنها تميد بالآكلين ، قال الزجّاج - رحمه اللّه تعالى - : « وهي فاعلة على الأصل » ، وقال أبو عبيد : « هي فاعلة بمعنى مفعولة مشتقّة من مادة بمعنى أعطاه ، وامتاده بمعنى استعطاه ، فهي بمعنى مفعولة » ، قال : « كعيشة راضية » وأصلها أنها ميد بها صاحبها ، أي : أعطيها ، والعرب تقول : مادني فلان يميدني ، إذا أدّى إليّ وأعطاني » وقال أبو بكر بن الأنباريّ : « سمّيت مائدة ؛ لأنها غياث وعطاء ، من قول العرب : ماد فلان فلانا إذا أحسن إليه » وأنشد : [ السريع ]
2088 - إلى أمير المؤمنين الممتاد « 3 »
أي : المحسن لرعيّته ، وهي فاعلة من الميد بمعنى معطية ، فهو قريب من قول أبي عبيد في الاشتقاق ، إلا أنّها عنده بمعنى فاعلة على بابها ، وابن قتيبة وافق أبا عبيد في كونها بمعنى مفعولة ، قال : « لأنّها يماد بها الآكلون أي يعطونها » ، وقيل : هي من الميد ، وهو الميل ، وهذا هو معنى قول الزجّاج . قوله تعالى :
« مِنَ السَّماءِ »
يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله ، وأن يتعلّق بمحذوف ؛ على أنه صفة ل « مائدة » ، أي : مائدة كائنة من السّماء ، أي : نازلة منها . قوله تعالى :
قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
: فلا تشكّوا في قدرة اللّه - تعالى - . وقيل : اتّقوا اللّه أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم السّابقة من قبلكم ، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان . وقيل : أمرهم بالتّقوى سببا لحصول هذا المطلوب ، كقوله - تبارك وتعالى - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
[ المائدة : 35 ] .
هامش
( 1 ) ينظر : المفردات 498 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 243 . ( 3 ) عجز بيت لرؤبة وصدره :تهدي رؤوس المترفين الأندادينظر : ديوانه ( 40 ) ، الدر المصون 2 / 650 ، القرطبي 6 / 237 والمحرر الوجيز 2 / 260 .