تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
الثاني : أنّهم كانوا مؤمنين إلّا أنّهم طلبوا هذه الآية ليحصل لهم مزيد الطمأنينة ، فلهذا السّبب قالوا : « وتطمئنّ قلوبنا » . الثالث : أنّ مرادهم استفهام أن ذلك هل هو كاف في الحكمة أم لا ؟ وذلك لأنّ أفعال اللّه تعالى لمّا كانت موقوفة على رعاية وجوه الحكمة ، ففي الموضع الّذي لا يحصل فيه شيء من وجوه الحكمة يكون الفعل ممتنعا ، فإنّ المنافي من جهة الحكمة كالمنافي جهة القدرة ، وهذا الجواب يتمشّى على قول المعتزلة . وأمّا على قولنا فهو محمول على أنّه تبارك وتعالى هل قضى بذلك ؟ وهل علم وقوعه ؟ فإن لم يقض به ، ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالا غير مقدور ؛ لأن خلاف المعلوم غير مقدور . الرابع : قال السديّ « 1 » : إن السّين زائدة ، على أنّ استطاع بمعنى أطاع كما تقدّم . الخامس : لعل المراد بالرّبّ جبريل ؛ لأنّه كان يربّيه ويخصّه بأنواع الإعانة ، لقوله - تبارك وتعالى - في أوّل الآية
إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
، والمعنى : أنّك تدّعي أنه يربّيك ، ويخصّك بأنواع الكرامة ، فهل يقدر على إنزال مائدة من السّماء عليك ؟ . السادس : ليس المقصود من هذا السّؤال كونهم شاكّين فيه ، بل المقصود تقرير أن ذلك في غاية الظّهور ، كمن يأخذ بيد ضعيف ، ويقول : هل يقدر السّلطان على إشباع هذا ، وبكون غرضه أنّ ذلك أمر واضح لا يجوز للعاقل أن يشكّ فيه . قوله
« أَنْ يُنَزِّلَ »
في قراءة الجماعة في محلّ نصب مفعولا به ، أي : الإنزال ، وقال أبو البقاء « 2 » - رحمه اللّه تعالى - : والتقدير : على أن ينزّل ، أو في أن ينزّل ، ويجوز ألّا يحتاج إلى حرف جرّ على أن يكون « يستطيع » بمعنى « يطيق » [ قلت : إنما احتاج إلى تقدير حرفي الجرّ في الأول ؛ لأنه حمل الاستطاعة على الإجابة ، وأمّا قوله أخيرا : إنّ « يستطيع » بمعنى « يطيق » ] فإنما يظهر كلّ الظهور على رأي الزمخشريّ من كونهم ليسوا بمؤمنين ، وأمّا على قراءة الكسائيّ ، فقالوا : هي في محلّ نصب على المفعولية بالسؤال المقدّر ، أي : هل تستطيع أنت أن تسأل ربّك الإنزال ، فيكون المصدر المقدّر مضافا لمفعوله الأوّل ، وهو « ربّك » ، فلمّا حذف المصدر ، انتصب ، وفيه نظر ؛ من أنهم أعملوا المصدر مضمرا ، وهو لا يجوز عند البصريّين ، يؤوّلون ما ورد ظاهره ذلك ، ويجوز أن يكون
« أَنْ يُنَزِّلَ »
بدلا من « ربّك » بدل اشتمال ، والتقدير : هل تستطيع ، أي : هل تطيق إنزال اللّه تعالى مائدة بسبب دعائك ؟ وهو وجه حسن . و « مائدة » مفعول « ينزّل » ، والمائدة : الخوان عليه طعام ، فإن لم يكن عليه طعام
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 12 / 108 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 232 .