تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
في « إذ » وجهان : أحدهما : أوحيت إلى الحواريّين ، إذ قال الحواريّون . الثاني : اذكر إذ قال الحواريّون . قرأ الجمهور « يستطيع » بياء الغيبة « ربّك » مرفوعا بالفاعلية ، والكسائيّ « 1 » : « تستطيع » بتاء الخطاب لعيسى ، و « ربّك » بالنصب على التعظيم ، وقاعدته أنه يدغم لام « هل » [ في أحرف منها هذا المكان ، وبقراءة الكسائيّ قرأت عائشة ، وكانت تقول : « الحواريّون أعرف باللّه ] من أن يقولوا : هل تستطيع ربّك » وإنما قالوا : هل تستطيع أن تسأل ربّك ؛ كأنها - رضي اللّه عنها - نزهتهم عن هذه المقالة الشنيعة أن تنسب إليهم ، وبها قرأ معاذ أيضا وعليّ وابن عبّاس وسعيد بن جبير قال معاذ رضي اللّه تعالى عنه : أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « هل تستطيع ربك » بالتّاء . وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة : هل تحتاج إلى حذف مضاف أم لا ؟ فجمهور المعربين يقدّرون : هل تستطيع سؤال ربّك ، وقال الفارسيّ : « وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير « سؤال » على أن يكون المعنى : هل تستطيع أن ينزّل ربّك بدعائك ، فيردّ المعنى - ولا بد - إلى مقدّر يدلّ عليه ما ذكر من اللفظ » ، قال أبو حيان « 2 » : « وما قاله غير ظاهر ؛ لأنّ فعله تعالى ، وإن كان مسبّبا عن الدعاء ، فهو غير مقدور لعيسى » . واختار أبو عبيد هذه القراءة ، قال : « لأنّ القراءة الأخرى تشبه أن يكون الحواريّون شاكّين ، وهذه لا توهم ذلك » ، قال شهاب الدين « 3 » : وهذا بناء من الناس على أنهم كانوا مؤمنين ، وهذا هو الحقّ . قال ابن الأنباري : « لا يجوز لأحد أن يتوهّم على الحواريّين ؛ أنهم شكّوا في قدرة اللّه تعالى » ، وبهذا يظهر أنّ قول الزمخشريّ أنهم ليسوا مؤمنين ليس بجيّد ، وكأنه خارق للإجماع ، قال ابن عطية « 4 » : « ولا خلاف أحفظه أنّهم كانوا مؤمنين » ، فأمّا القراءة الأولى ، فلا تدلّ له ؛ لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة ، منها : أنّ معناه : هل يسهل عليك أن تسأل ربّك ؛ كقولك لآخر : هل تستطيع أن تقوم ؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك ، ومنها : أنهم سألوه سؤال مستخبر : هل ينزّل أم لا ، فإن كان ينزّل فاسأله لنا ، ومنها : أنّ المعنى هل يفعل ذلك ، وهل يقع منه إجابة لذلك ؟ ومنه ما قيل لعبد اللّه بن زيد : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتوضّأ ؟ أي : هل تحبّ ذلك ؟ وقيل : المعنى : هل يطلب ربّك الطاعة من نزول المائدة ؟ قال أبو شامة : « مثل ذلك في الإشكال ما رواه الهيثم -
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 249 ، والحجة 3 / 273 ، وحجة القراءات 240 ، 241 ، والعنوان 88 ، وإعراب القراءات 1 / 150 ، وشرح الطيبة 4 / 239 ، وشرح شعلة 356 ، وإتحاف 1 / 545 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 75 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 2 / 649 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 260 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 604 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب