تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
وخامسها : شدّة العناية والاختصاص ، قال :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ، والمراد : تخصيص آدم - عليه الصلاة والسلام - بهذا التّشريف ، فإنّه تعالى الخالق لجميع المخلوقات ، ويقال : « يدي رهن لك بالوفاء » إذا ضمنت له شيئا . وإذا عرف هذا فنقول : اليد في حقّ اللّه تعالى ممتنع أن تكون الجارحة ، وأما سائر المعاني فكلّها حاصلة . وهاهنا قول آخر : وهو أنّ أبا الحسن الأشعري زعم في بعض أقواله : أنّ اليد صفة قائمة بذات اللّه تعالى ، وهي صفة سوى القدرة ، ومن شأنها التّكوين على سبيل الاصطفاء . قال : ويدلّ عليه أنّه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيده علة الكرامة لآدم واصطفائه ، فلو كانت اليد [ عبارة ] « 1 » عن القدرة لامتنع كونه - عليه الصلاة والسلام - اصطفي ؛ لأنّ ذلك في جميع المخلوقات ، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتّكوين على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا : أنّ اليد في حقّ اللّه تعالى عبارة عن القدرة وهذا مشكل ؛ لأنّ قدرة اللّه واحدة ، ونصّ القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة وبإثبات الأيدي تارة أخرى ، وإن فسّرتموها بالنّعمة ، فنصّ القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم اللّه غير محدودة ، لقوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ النحل : 18 ] . والجواب : إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة ، كان الجواب عن الإشكال المذكور : أنّ القوم جعلوا قولهم :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق كلامهم ، فقيل :
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
، أي : ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال ، وأنّ من أعطى بيده فقد أعطى عطاء على أكمل الوجوه . وأمّا إن اخترنا تفسير اليد بالنّعمة ، كان الجواب عن الإشكال المذكور من وجهين : الأول : أنّ التّثنية بحسب الجنس يدخل تحت كلّ واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها ، نعمة الدنيا ونعمة الدين ، ونعمة الظاهر ونعمة الباطن ، ونعمة النفع ونعمة الدفع ، ونعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني : أنّ المراد بالتّثنية المبالغة في وصف النّعمة ، ألا ترى قولك « لبّيك » ، معناه : مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد [ منه طاعتين ] « 2 » ولا مساعدتين ، فكذلك الآية معناها : أنّ النّعمة متظاهرة متتابعة ، ليست كما ادّعى اليهود أنّها مقبوضة ممتنعة . قوله : « ينفق كيف يشاء » في هذه الجملة خمسة أوجه : أحدها - وهو الظاهر - : أن لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها مستأنفة .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : بطاعتين .