تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
العباد ، ونظيره قوله تعالى :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ التوبة : 125 ] ، فإن قالوا : علم اللّه تعالى من حالهم سواء أنزلها أو لم ينزلها ، فإنّهم يأتون بتلك الزّيادة من الكفر ، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها . قلنا : فعلى هذا التّقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل تلك الآيات ، وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد الكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلا ، وذلك تكذيب لنصّ القرآن . قوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
الضمير في « بينهم » يجوز أن يعود على اليهود والنّصارى ؛ لتقديم ذكرهم ، ولاندراج الصنفين في قوله تعالى :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ » ، *
ويجوز أن يعود على اليهود وحدهم ، لأنّهم فرق مختلفة ، فعلى هذين قال الحسن ومجاهد « 1 » : يعني بين اليهود والنّصارى ، لأنّ ذكرهم جرى في قوله :
« لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى »
، وقيل : بين فرق اليهود ، فإنّ بعضهم جبريّة ، وبعضهم قدريّة ، وبعضهم [ موحّدة ] « 2 » وبعضهم مشبّهة « 3 » ، وكذلك بين فرق النّصارى كالملكانيّة والنّسطوريّة واليعقوبيّة . فإن قيل : فهذا المعنى حاصل بين فرق المسلمين ، فكيف يمكن جعله عيبا في اليهود والنّصارى ؟ فالجواب : أنّ هذه البدع إنّما حدثت بعد عصر الصّحابة والتّابعين ، أما في ذلك الزّمان فلم يكن شيء من ذلك ، فلا جرم حسن جعل ذلك عيبا في اليهود والنّصارى . ووجه اتّصال هذا الكلام بما قبله : أنّه تعالى بيّن أنّهم إنّما ينكرون نبوّته بعد ظهور الدّلائل على صحّتها لأجل الحسد ، ولأجل حبّ الجاه والمال والسّعادة ، فلمّا رجّحوا الدّنيا على الآخرة لا جرم حرمهم سعادة الدّين ، فلذلك حرمهم سعادة الدّنيا ؛ لأنّ كلّ فريق منهم مصرّ على مذهبه ، ومبالغ في نصرته ، ويطعن في كل ما سواه من المذاهب تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه ، فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشّديدة بين فرقهم ، انتهى الأمر فيه إلى أنّ بعضهم يكفّر بعضا . وقوله تعالى :
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
متعلّق ب « ألقينا » ، ويجوز أن يتعلّق بقوله : « والبغضاء » ، أي : إنّ التباغض بينهم إلى يوم القيامة ، ولا يجوز أن يتعلّق بالعداوة ؛ لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبيّ ، وهو المعطوف ؛ وعلى هذا : فلا يجوز أن تكون المسألة من التنازع ؛ لأن شرطه تسلّط كلّ من العاملين ، والعامل الأول هنا لو سلّط على المتنازع فيه ، لم يجز للمحذور المذكور ، وقد نقل بعضهم : أنه يجوز التنازع في فعلي التعجّب مع التزام إعمال الثاني ؛ لأنه لا يفصل بين فعل التعجّب ومعموله ، وهذا
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 35 ، والبغوي 2 / 50 . ( 2 ) في أ : حية . ( 3 ) في أ : مشيئة .