تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
ذلك قالت اليهود :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
أي : مقبوضة من العطاء على جهة الصّفة بالبخل ، والجاهل إذا وقع في البلاء والشّدّة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ . الرابع : لعلّه كان فيهم ممّن كان على مذهب الفلسفة ، وهو أنّه موجب لذاته ، وأنّ حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وهو أنّه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه الّتي عليها تقع ، فعبّروا عن عدم الاقتدار على التّغيير والتبديل بغلّ اليد . الخامس « 1 » : قال بعضهم : المراد منه - هو قول اليهود أنّ اللّه تعالى لا يعذّبنا إلا قدر الأيّام التي عبدنا فيها العجل - إلّا أنهم عبّروا على كونه تعالى غير معذّب لهم إلّا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللّعن بسبب فساد العبادة ، وعدم رعاية الأدب ، وهذا قول الحسن « 2 » . قال البغوي « 3 » بعد أن حكى قول المفسّرين ، ثم بعده قول الحسن : والأوّل أولى « 4 » لمعنى قول المفسرين لقوله تعالى بعد ذلك :
« يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » .
وقوله :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا »
يحتمل الخبر المحض ، ويحتمل أن يراد به الدعاء عليهم أي : أمسكت أيديهم عن الخيرات ، والمعنى : أنّه - تعالى - يعلّمنا الدّعاء عليهم ، كما علّمنا الدّعاء على المنافقين في قوله تعالى :
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] فإن قيل : كان ينبغي أن يقال : « فغلت أيديهم » . فالجواب : أنّ حرف العطف وإن كان مضمرا إلا أنّه حذف لفائدة ، وهي أنّه لما حذف كان قوله
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ »
كالكلام المبتدأ به ففيه [ زيادة ] « 5 » قوّة ؛ لأنّ الابتداء بالشّيء يدلّ على شدّة الاهتمام به وقوّة الاعتناء ، ونظيره في الحذف والتّعقيب قوله تعالى
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً
[ البقرة : 67 ] ولم يقل : فقالوا أتتّخذنا . وقيل : هو من الغلّ يوم القيامة في النّار كقوله تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ
[ غافر : 71 ] .
« وَلُعِنُوا »
عذّبوا
« بِما قالُوا »
فمن لعنهم - أنّه مسخهم قردة وخنازير ، وضربت عليهم الذّلّة والمسكنة في الدّنيا ، وفي الآخرة بالنّار .
هامش
( 1 ) في ب : الرابع . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 6 / 154 ) عن الحسن . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 2 / 50 . ( 4 ) ما رجحه البغوي في تفسيره بعبارته « والأول أولى » هو الثالث في كلام ابن الخطيب هنا . ينظر : البغوي 2 / 50 . ( 5 ) سقط في أ .