تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
فقدّم قوله : « يغشّي » - وهو جملة - على « أسود » وما بعده ، وهنّ مفردات ، وعند هذا القائل أنه يبدأ بالمفرد ، ثم بالظّرف أو عديله ، ثم بالجملة ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى :
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ
[ غافر : 28 ]
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
[ الأنعام : 155 ] . قال أبو حيّان « 1 » : وفيها دليل على بطلان من يعتقد وجوب تقديم الوصف بالاسم على الوصف بالفعل إلا في ضرورة ، ثمّ ذكر الآية الآخرى . قال شهاب الدين « 2 » : وليس في هاتين الآيتين الكريمتين ما يردّ قول هذا القائل ، أمّا هذه الآية فيحتمل أن يكون قوله تعالى :
« يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ »
جملة اعتراض ، لأنّ فيها تأكيدا وتشديدا للكلام . وجملة الاعتراض تقع بين الصّفة وموصوفها ، كقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
ف « عظيم » صفة ل « قسم » ، وقد فصل بينهما بقوله :
« لَوْ تَعْلَمُونَ »
، فكذلك فصل هنا بين « بقوم » ، وبين صفتهم وهي « أذلّة - أعزّة » بقوله :
« يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ »
، فعلى هذا لا يكون لها محلّ من الإعراب . وأمّا
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
[ الأنعام : 155 ] فلا نسلّم أن « مبارك » صفة ، ويجوز أن يكون [ خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو مبارك ] « 3 » ولو استدلّ على ذلك بآيتين غير هاتين لكان أقوى ، وهما قوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
[ الأنبياء : 2 ] ،
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ
[ الشعراء : 5 ] فقدّم الوصف بالجار على الوصف بالصّريح ، وكذا يحتمل أن يقال : لا نسلّم أن
« مِنْ رَبِّهِمْ »
و
« مِنَ الرَّحْمنِ »
صفتان لجواز أن يكونا حالين مقدّمين من الضّمير المستتر في « محدث » أي : محدث إنزاله حال كونه من ربّهم . و « أذلّة » جمع ذليل بمعنى متعطّف ، ولا يراد به الذليل الذي هو ضعيف خاضع مهان ، ولا يجوز أن يكون جمع « ذلول » ؛ لأن ذلولا يجمع على « ذلل » لا على أذلّة ، وإن كان كلام بعضهم يوهم ذلك . قال الزّمخشري « 4 » : ومن زعم أنّه من « الذّل » الذي هو نقيض الصّعوبة ، فقد غبي عن أن « ذلولا » لا يجمع على « أذلّة » . و « أذلّة » و « أعزّة » جمعان ل « ذليل » و « عزيز » وهما مثالا مبالغة ، وعدّى « أذلّة » ب « على » وإن كان أصله أن يتعدّى باللّام لما ضمّن من معنى الحنوّ والعطف ، والمعنى : عاطفين [ على المؤمنين ] « 5 » على وجه التّذلّل والتّواضع ، ويجوز أن يكون المعنى أنّهم مع
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 524 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 2 / 548 . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الكشاف 1 / 648 . ( 5 ) سقط في أ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 392 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب