تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ألزمته ذلك باستيثاق ، وأصله من عقد الشيء بغيره ، ووصله به كما يعقد الحبل بالحبل . فالعهد إلزام ، والعقد التزام على سبيل الإحكام ، ولما كان الإيمان هو المعرفة باللّه تعالى وصفاته وأحكامه ، وكان من جملة أحكامه أنه يجب على الخلق إظهار الانقياد للّه تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه - أمر بالوفاء بالعقود ، أي : أنكم التزمتم بإيمانكم أنواع العقود والطاعة بتلك العقود .

فصل في الكلام على فصاحة الآية

قال القرطبي « 1 » : هذه الآية مما تلوح فصاحتها « 2 » وكثرة معانيها على قلة ألفاظها ، لكل بصير بالكلام ؛ فإنها « 3 » تضمنت خمسة أحكام : الأول : الأمر بالوفاء بالعقود . الثاني : تحليل بهيمة الأنعام . الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك . الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد . الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي ، قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، فقال : نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياما كثيرة ، ثم خرج ، فقال : واللّه ما أقدر ، ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة « المائدة » ، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين [ ولا ] « 4 » يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد .

فصل في الخطاب في الآية

واختلفوا في هذه العقود ، فقال ابن جريج : هذا خطاب لأهل الكتاب « 5 » ، يعني :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود ، التي عهدتها عليكم في شأن محمد - عليه الصلاة والسلام - وهو قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 187 ] . وقال آخرون : هو عام . وقال قتادة : أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية « 6 » .
هامش
( 1 ) ينظر القرطبي 6 / 23 . ( 2 ) في أ : خصائصها . ( 3 ) في أ : لأنها . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 9 / 454 ) عن ابن جريج ، وينظر تفسير القرطبي 6 / 24 . ( 6 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 447 ) وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة .