تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
المكان ، وتحصّنوا به ، أمرهم - هناك - بالجهاد ، والذّبّ عن بقية المسلمين ، ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام ، وبعد أن شاهدوا قتل أقاربهم وأحبّائهم من أعظم أنواع الابتلاء . فإن قيل : فعلى هذا التأويل ، هؤلاء الذين صرفهم اللّه عن الكفار ما كانوا مذنبين ، فلم قال :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ .
قلنا : الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف ، ومن لم يكن معذورا ، أو هم الذين بدءوا بالهزيمة ، فقوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
راجع إلى المعذورين ؛ لأنّ الآية لما اشتملت على قسمين ، وعلى حكمين ، رجع كلّ حكم إلى القسم الذي يليق به ، ونظيره :
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
[ التوبة : 40 ] والمراد الذي قال له : لا تحزن إن اللّه معنا - وهو أبو بكر - لأنه كان خائفا قبل هذا القول ، فلما سمع هذا القول سكن ، ثم قال : «
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها
» وعنى بذلك الرسول صلى اللّه عليه وسلم دون أبي بكر ؛ لأنه قد جرى ذكرهما جميعا ، هذا قول الجبائي . الثاني : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني : وهو أنّ المراد من قوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
أنه - تعالى - أزال ما كان في قلوب الكفار من الرّعب من المسلمين ؛ عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم ، ثم قال :
لِيَبْتَلِيَكُمْ
أي : ليجعل ذلك الصّرف محنة عليكم ؛ لتتوبوا إلى اللّه ، وترجعوا إليه ، وتستغفروه من مخالفة أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم وميلكم إلى الغنيمة ، ثم أعلمهم أنه - تعالى - قد عفا عنهم . الثالث : قال الكعبي :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم
لِيَبْتَلِيَكُمْ
بكثرة الإنعام عليكم . قوله :
وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ
ظاهره يقتضي تقدّم ذنب منهم . قال القاضي إن كان ذلك الذنب من الصغائر صحّ أن يصف نفسه بأنّه عفا عنهم من غير توبة ، فإن كان من الكبائر ، فلا بد من إضمار توبتهم ؛ [ لإقامة ] « 1 » الدلالة على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من أهل العفو والمغفرة . وأجيب بأنّ هذا الذنب لا شك أنه كان كبيرة ، لأنهم خالفوا صريح نصّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصارت تلك المخالفة سببا لانهزام المسلمين ، وقتل جمع كبير من أكابرهم ، ومن المعلوم أن ذلك كله من باب الكبائر . وأيضا ظاهر قوله تعالى :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
يدل على كونه كبيرة ، ويضعف قول من قال : إنه خاص في بدر ؛ لأن اللفظ عامّ ، ولا تفاوت في المقصود ، فكان
هامش
( 1 ) في أ : لقيام .