تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
قوله :
مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ؛ لأنهم لمّا شاهدوا أن اللّه - تعالى - أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقّهم أن يمتنعوا عن المعصية . فلما أقدموا عليها ، سلبهم اللّه ذلك الإكرام ، وأذاقهم وبال أمرهم . قوله :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
يعني : الذين تركوا المركز ، وأقبلوا على النهب
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
يعني : الذين ثبتوا مع عبد اللّه بن جبير ، حتى قتلوا . قال عبد اللّه بن مسعود : وما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يريد الدنيا ، حتى كان يوم أحد ، ونزلت هذه الآية « 1 » . قوله :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ
عطف على ما قبله ، والجملتان من قوله :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
اعتراض بين المتعاطفين ، وقال أبو البقاء « 2 » :
ثُمَّ صَرَفَكُمْ
معطوف على الفعل المحذوف . يعني الذي قدره جوابا للشرط ، ولا حاجة إليه ، و « ليبتليكم » متعلق ب « صرفكم » و « أن » مضمرة بعد اللام .

[ فصل في اختلاف العلماء في تفسير هذه الآية ]

فصل اختلفوا في تفسير هذه الآية ؛ وذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية ، فكيف أضافه إلى نفسه ؟ فقال جمهور المفسّرين : الخير والشر بإرادة اللّه تعالى وتخليقه ، ومعنى هذا الصّرف أنّ اللّه تعالى ردّ المسلمين عن الكفار وألقى الهزيمة عليهم ، وسلّط الكفار عليهم . وقالت المعتزلة : هذا التأويل غير جائز ؛ للقرآن والعقل ، أم القرآن فقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
[ آل عمران : 155 ] فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان فكيف يضيفه بعد هذا إلى نفسه ؟ وأما المعقول فإن اللّه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ، ولو كان ذلك بفعل اللّه لم تجز معاتبتهم عليه ، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم ، ثم ذكروا وجوها من التأويل : أحدها : قال الجبائيّ : إنّ الرّماة افترقوا فرقتين ، فبعضهم فارق المكان لطلب الغنائم ، وبعضهم بقي هناك ، فالذين بقوا أحاط بهم العدوّ ، فلو استمروا هناك لقتلهم العدوّ من غير فائدة أصلا ، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو - كما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم حين ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه - ولم يكونوا عصاة بذلك ، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه إلى نفسه ، بمعنى أنه كان بأمره وإذنه ، ثم قال :
لِيَبْتَلِيَكُمْ
والمراد : أنه - تعالى - لما صرفهم إلى ذلك
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 1 / 362 ) . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 154 .