تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
تحت لفظ الوعد ؛ لقوله تعالى :
قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا
[ الأعراف : 44 ] ، والموعد والميعاد واحد ، وقد أخبر - في هذه الآية - أنه لا يخلف الميعاد . والجواب : لا نسلم القول بوعيد الفساق مطلقا ، بل ذلك مشروط بعدم العفو ، كما هو مشروط بعدم التوبة بالاتفاق ، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل ، سلمنا أنه توعدهم ، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، ويكون قوله :
فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا
كقوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] وقوله :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 49 ] ، فيكون من باب التهكم ، ويجوز أن يكون المراد أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند اللّه تعالى . وذكر الواحديّ في البسيط - أنه يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء ، دون وعيد الأعداء ؛ لأن خلف الوعيد كرم عند العرب ؛ لأنهم يمدحون بذلك ، قال : [ الطويل ]
1343 - إذا وعد السّرّاء أنجز وعده * وإن أوعد الضّرّاء فالعفو مانعه « 1 »
وروى المناظرة بين أبي عمرو بن العلاء وبين عمرو بن عبيد : قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد فما تقول في أصحاب الكبائر ؟ فقال : أقول : إنّ اللّه تعالى وعد وعدا وأوعد إيعادا ، فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء : إنك رجل أعجم ، لا أقول : أعجم اللسان ، ولكن أعجم القلب ؛ إن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤما ، وعن الإيعاد كرما ، وأنشد : [ الطويل ]
1344 - وإنّي إن أوعدته أو وعدته * لمكذب إيعادي ومنجز موعدي « 2 »
فقال له عمرو بن عبيد : يا أبا عمرو ، فهل يسمّى اللّه مكذب نفسه ؟ فقال : لا ، فقال له عمرو بن عبيد : فقد سقطت حجتك « 3 » . قال ابن الخطيب : « وكان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست الوعيد على الوعد ، وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين ؛ وذلك لأن الوعد حق عليه ، والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره ، فذلك هو اللؤم ، فظهر الفرق .
هامش
( 1 ) البيت لأبي الحسن السري ينظر ديوان الرفاء 2 / 368 ويتيمة الدهر 2 / 133 ومفاتيح الغيب 7 / 183 والبحر 2 / 404 ، ومحاسن التأويل 4 / 55 . ( 2 ) البيت لعامر بن الطفيل ينظر ديوانه ص 58 وغرائب القرآن 3 / 133 والعمدة 2 / 1 واللسان ( وعد ) والتاج 2 / 536 و 537 . ( 3 ) ينظر التفسير الكبير للفخر الرازي 7 / 159 . المحرر الوجيز 1 / 405 .