وقال « رحمة » ؛ ليشمل جميع أنواع الرحمة ، ولما ثبت بالبرهان القاطع أنه لا رحيم إلا هو أكد ذلك بقوله :
مِنْ لَدُنْكَ
تنبيها للعقل على أن المقصود لا يحصل إلا منه .
وقوله :
أَنْتَ الْوَهَّابُ
كأن العبد يقول : إلهي هذا الذي طلبته منك بهذا الدعاء بالنسبة إليّ - حقير - بالنسبة إلى كمال كرمك ، وغاية جودك ورحمتك ؛ فإنك أنت الوهاب .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 9 ]
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 )
قرأ أبو حاتم « 1 »
جامِعُ النَّاسِ
بالتنوين والنصب - و « ليوم » اللام للعلة ، أي :
لجزاء يوم ، وقيل : هي بمعنى « في » ، ولم يذكر المجموع لأجله ، و « لا ريب » صفة ل « يوم » ، أي : لا شك فيه ، فالضمير في « فيه » عائد عليه ، وأبعد من جعله عائدا على الجمع المدلول عليه ب « جامع » ، أو على الجزاء المدلول عليه بالمعنى ، أو على العرض .
قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
يجوز أن يكون من تمام حكاية قول الراسخين ، فيكون التفاتا من خطابهم للباري تعالى بضمير الخطاب إلى الإتيان بالاسم الظاهر ؛ دلالة على تعظيمه ، ويجوز أن يكون مستأنفا من كلام اللّه تعالى ، فلا التفات حينئذ .
و « الميعاد » مصدر ، وياؤه منقلبة عن واو ، لانكسار ما قبلها كميقات .
فإن قيل : لم قالوا - في هذه الآية - : إن اللّه لا يخلف الميعاد ، وقالوا - في تلك الآية - إنك لا تخلف الميعاد ؟
فالجواب : أن هذه الآية في مقام الهيبة ، يعني أن الآية تقتضي الحشر والنشر ؛ لينتصف للمظلومين من الظالمين ، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام ، وفي تلك الآية مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله ، ويتجاوز عن سيئاته ، فليس مقام الهيبة ، فلا جرم قال :
إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ .
فصل
اعلم أن الراسخين لما طلبوا من ربهم الصّون عن الزيغ ، وأن يخصّهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا ؛ فإنها منقضية ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة ؛ فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ووعدك حق ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن وفقته وهديته ورحمته بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد .
فصل
احتج الجبائيّ - بهذه الآية - على القطع بوعيد الفساق ، قال : لأن الوعيد داخل
هامش
( 1 ) وقرأ بها الحسن بن أبي الحسن ومسلم بن جندب .
انظر : الشواذ 19 ، والبحر المحيط 2 / 404 ، والدر المصون 2 / 19 .