وأما قولك : لو لم يفعل لصار كاذبا ، أو مكذب نفسه .
فالجواب : أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من غير شرط ، وعندي أن الوعيد مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام اللّه تعالى » .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 10 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 )
لما حكى دعاء المؤمنين وتضرّعهم حكى كيفية حال الكافرين ، وشدة عقابهم ، وفيهم قولان :
أحدهما : أن المراد بهم وفد نجران ؛ لأنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه إني أعلم أنه رسول اللّه حقا ، ولكني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال ، فبيّن اللّه تعالى أن أموالهم لا تدفع عنهم عذاب اللّه .
الثاني : أن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ .
قوله :
لَنْ تُغْنِيَ
العامة « 1 » على « تغني » بالتاء من فوق ؛ مراعاة لتأنيث الجميع ، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن « 2 » بالياء من تحت - بالتذكير - على الأصل ، وسكّن الحسن ياء « تغني » ؛ استثقالا للحركة على حرف العلة ، وذهابا به مذهب الألف ، وبعضهم يخص هذا بالضرورة .
قوله :
مِنَ اللَّهِ
في « من » هذه أربعة أوجه :
أحدها : أنها لابتداء الغاية - مجازا - أي : من عذاب اللّه وجزائه .
الثاني : أنها بمعنى « عند » قاله أبو عبيدة ، وجعله كقوله تعالى :
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
[ قريش : 4 ] ، أي : عند جوع ، وعند خوف ، وهذا ضعيف عند النحويين .
الثالث : أنها بمعنى بدل .
قال الزمخشري : قوله :
مِنَ اللَّهِ
مثل قوله :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
[ يونس : 36 ] ، والمعنى : لن تغني عنهم من رحمة اللّه ، أو من طاعته شيئا ، أي : بدل رحمته وطاعته ، وبدل الحق ومنه [ قوله ] « 3 » : « ولا ينفع ذا الجد منك الجد » « 4 » ، أي : لا
هامش
( 1 ) انظر : البحر المحيط 2 / 405 ، والدر المصون 2 / 2 / 19 .
( 2 ) وقرأ بها علي .
انظر : الكشاف 1 / 339 ، والبحر المحيط 2 / 405 ، والدر المصون 2 / 19 .
( 3 ) سقط في أ .
( 4 ) أخرجه البخاري 2 / 378 كتاب الأذان ، باب الذكر بعد الصلاة ( 844 ) من حديث المغيرة بن شعبة ومسلم في الصلاة ، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع ( 206 - 478 ) من حديث ابن عباس ( 2 / 431 ، 432 شرح النووي ) .