تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فإن قيل : لم لم يمتنع أن تكون « ما » شرطية على هذه القراءة ، كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة ؟ فالجواب : أن العلة إن كانت رفع الفعل ، وعدم جزمه - كما قال به الزمخشريّ وابن عطية - فهي مفقودة في هذه القراءة ؛ لأن الماضي مبني اللفظ ، لا يظهر فيه لأداة الشرط عمل وإن كانت العلة أن النية به التقديم ، فيلزم عود الضمير على متأخّر لفظا ورتبة ، فهي أيضا مفقودة فيها ؛ إذ لا داعي يدعو إلى ذلك . قوله - هنا - على بابها ، من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، وعلى هذا ففي الكلام حذفان : أحدهما : حذف مفعول « تودّ » . والثاني : حذف جواب « لو » ، والتقدير فيها : تود تباعد ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا لسرّت بذلك ، أو لفرحت ونحوه . والخلاف في « لو » بعد فعل الودادة وما بمعناه أنها تكون مصدرية كما تقدم تحريره في البقرة ، يبعد مجيئه هنا ؛ لأن بعدها حرفا مصدريا وهو « أن » . قال أبو حيان : ولا يباشر حرف مصدري حرفا مصدريا إلا قليلا كقوله تعالى :
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الذاريات : 23 ] ، قال شهاب الدين : إلا قليلا يشعر بجوازه ، وهو لا يجوز البتة ، وأما الآية التي أوردها فقد مضى النحاة على أن ما زائدة . وقد تقدم الكلام في « أنّ » الواقعة بعد « لو » هذه ، هل محلها الرفع على الابتداء ، والخبر محذوف - كما ذهب إليه سيبويه - أو أنها في محل رفع بالفاعلية بفعل مقدّر ، أي : لو ثبت أن بينها وما قال الناس في ذلك وقد زعم بعضهم أن « لو » - هنا - مصدرية ، هي وما في حيزها في معنى المفعول ل « تودّ » ، أي تود تباعد ما بينها وبينه ، وفي ذلك إشكال ، وهو دخول حرف مصدري على مثله ، لكن المعنى على تسلّط الودادة على « لو » وما في حيّزها لولا المانع الصناعي . والأمد : غاية الشيء ومنتهاه ، وجمعه آماد - نجو أجل وآجال - فأبدلت الهمزة ألفا ، لوقوعها ساكنة بعد همزة « أفعال » . قال الراغب : « الأمد والأبد متقاربان ، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حدّ محدود ، ولا يتقيد فلا يقال : أبد كذا والأمد مدة لها حدّ مجهول إذا أطلق ، وقد ينحصر إذا قيل : أمد كذا ، كما يقال : زمان كذا ، والفرق بين الأمد والزمان ، أن الأمد يقال لاعتبار الغاية ، والزمان عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم : المدى والأمد يتقاربان » .

[ فصل في معنى « تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ

» ] فصل المعنى :
تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ
يعني : لو أن بين النفس وبين السوء أمدا بعيدا .