تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
وثانيها : قوله :
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
أي : إن أكلتما منها ظلمتما أنفسكما ألا ترى لما أكلا
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] . وثالثها : لو كان للتنزيه لما استحقّ آدم بفعله الإخراج من الجنّة ، ولما وجبت التوبة عليه . قال ابن الخطيب : الجواب عن الأول : أن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ، لكنه قد يحمل على التحريم بدليل منفصل . وعن الثاني : أن قوله تعالى :
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
أي : فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه ؛ لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنّة التي لا تظمآن فيها ، ولا تضحيان ولا تجوعان ولا تقربان إلى موضع ليس فيه شيء من هذا . وعن الثالث : أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنّة كان لهذا السبب .

فصل في فحوى الآية

قال قوم قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
يفيد بفحواه النهي عن الأكل ؛ وفيه نظر لأن النهي عن القربان لا يستلزم النهي عن الأكل ؛ إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله ، بل الظاهر [ إنما ] يتناول النهي عن القرب . وأما النهي عن الأكل ، فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى :
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
[ الأعراف : 22 ] ولأنه حدث الكلام بالأكل فقال :
وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما
فصار ذلك كالدّلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشّجرة ، لكن النهي بهذا القول يعم الأكل ، وسائر الانتفاعات ، ولو كان نصّ على الأكل ما كان يعمّ ذلك ، ففيه مزيد فائدة . قوله :
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
فتكونا : فيه وجهان : أحدهما : أن يكون مجزوما عطفا على « تقربا » ؛ كقوله : [ الطويل ]
400 - فقلت له : صوّب ولا تجهدنّه * فيذرك من أعلى القطاة فتزلق « 1 »
والثّاني : أنه منصوب على جواب النّهي لقوله تعالى :
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ
[ طه : 81 ] والنصب بإضمار « أن » عند البصريين ، وبالفاء نفسها عند الجرمي ، وبالخلاف عند الكوفيين . وهكذا كل ما يأتي مثل هذا . و « الظّالمين » خبر « كان » .
هامش
( 1 ) البيت لعمرو بن عمار الطائي ينظر شرح أبيات سيبويه : 2 / 62 ، والكتاب : 3 / 101 ، ولامرىء القيس ينظر ديوانه : ص 174 ، ولسان العرب [ ذرا ] ، والمحتسب : 2 / 181 ، وخزانة الأدب : 8 / 526 ، ومجالس ثعلب : 2 / 436 ، والمقتضب : 4 / 23 ، الدر المصون : 1 / 192 .