تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
والجواب : أن قوله : « فأزلهما » أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل ، وأضيف ذلك إلى « إبليس » كما في قوله تعالى :
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
[ نوح : 6 ] قال تعالى حاكيا عن إبليس :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
[ إبراهيم : 22 ] ، هذا قول المعتزلة ، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه ، وهو أن القادر على الفعل والترك مع التّساوي يستحيل أن يكون موجدا لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الدّاعي إليه ، والدّاعي في حقّ العبد عبارة عن علم أو ظن ، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملا على مصلحة ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبّه نبه عليه كان الفعل مضافا إلى ذلك المنبّه ؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلا بالفعل ، فهكذا المعنى انضاف - هاهنا - إلى الوسوسة . فإن قيل : كيف كانت الوسوسة ؟ فالجواب : هي التي حكى اللّه عنها في قوله :
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
[ الأعراف : 20 ] فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى :
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
[ الأعراف : 21 ] فلم يصدقاه . والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر ، وهو أنه شغلهما باستيفاء اللّذّات المباحة حتى صارا مستغرقين فيها ، فحصل بسبب استغراقهما فيها نسيان النهي ، فعند ذلك حصل ما حصل ، واللّه أعلم .

فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم

اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وسوسة آدم عليه الصلاة والسلام ، مع أن إبليس كان خارج الجنّة ، وآدم عليه الصّلاة والسّلام داخل الجنّة ؟ وذكروا فيه وجوها : أحدها : ما روي عن وهب بن منبّه والسدي عن ابن عباس وغيره : أن إبليس أراد دخول الجنة ، فمنعته الخزنة ، فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات ، فابتلعته الحية وأدخلته الجنّة خفية من الخزنة ، فلما دخلت الحيّة الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل بالوسوسة ، فلا جرم لعنت الحيّة ، وسقطت قوائمها ، وصارت تمشي على بطنها ، وجعل رزقها في التراب ، وصارت عدوا لبني آدم ، وأمرنا بقتلها في الحلّ والحرم « 1 » . قال ابن الخطيب « 2 » : وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه ؛ لأن إبليس لو قدر على
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ( 1 / 525 - 526 ) عن وهب بن منبه وأخرجه أيضا ( 1 / 527 ) عن ابن عباس وابن مسعود . وأورده السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 180 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن مسعود وعبد الرزاق عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أيضا . ( 2 ) ينظر الرازي : 3 / 15 .