تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧

فصل في المراد بالنهي عن الأكل من الشجرة

هذا النهي « 1 » نهي تحريم ، أو تنزيه ؟ فيه خلاف .
هامش
( 1 ) النهي خلاف الأمر : نهاه ينهاه نهيا : كفه ؛ فانتهى ، وتناهى : كفّ ، وهو واويّ يائي ، يقال في الواويّ : نهوته عن الشيء ، وفي اليائي : نهيته ، ونفس نهّاء : منتهية عن الشيء ، وتناهوا عن الأمر وعن المنكر : نهى بعضهم بعضا ، وفي التنزيل العزيز : « كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه » . والنّهية والنهاية آخر كل شيء ؛ وذلك لأن آخره ينهاه عن التمادي فيرتدع ، والنّهي والنّهي : الموضع الذي له حاجز ، كأنه ينهى الماء أن يفيض منه . ونهية الوتد : الفرضة التي في رأسه ، تنهى الحبل أن ينسلخ . والنّهى : العقل ، يكون واحدا وجمعا ، واحده نهية ، سمي بذلك ؛ لأنه ينهى عن القبيح . وناهيك بفلان : كافيك به ، ويؤخذ من ذلك ؛ أن جميع اشتقاقات كلمة « نهى » تفيد المنع والحظر . وتعريف النهي في اصطلاح الفقهاء والأصوليين : يعتبر النهي قسما من أقسام الكلام ؛ حيث إن الكلام ينقسم إلى : أمر ، ونهي ، وخبر ، وإنشاء ، ووعد ، ووعيد ، وغيرها ، فالنهي أحد هذه الأقسام . واختلف العلماء بإزاء إثبات كلام النفس إلى طائفتين : طائفة أثبتت كلام النفس ، وهم الأشاعرة ومن لفّ لفّهم ، والطائفة الثانية نفت تحقّق الكلام النفسي ، وهم المعتزلة ومن وافقهم . ونحا كل فريق طريقا خاصا إلى تحديد النهي بما يلائم وجهة نظره ، في إثبات كلام النفس أو نفيه ؛ فالأشاعرة المثبتون لكلام النفس عرّفوه تارة باعتبار حقيقته الكلامية ، وعرفوه تارة أخرى باللفظ الدّال على تلك الحقيقة . مذهب الأشاعرة في تعريف النهي باعتبار حقيقته الكلامية : الصّحيح في تعريفه على ما اختاره ابن الحاجب : أنه « اقتضاء كفّ عن فعل على جهة الاستعلاء » . وتعريفه عندهم باعتبار أنه لفظ دالّ على المعنى النفسي ، وهو المناسب لغرض الأصوليين ؛ لأن بحثهم إنما هو عن الأدلة اللفظية السمعية ، من حيث يوصل العلم بأحوالها العارضة لها من عموم ، وخصوص ، وإطلاق ، وتقييد ، ونحوه ، إلى القدرة على إثبات الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين ، وإن كان مرجع الأدلة السمعية إلى الكلام النفسي . وذهب القاضي أبو بكر ، وإمام الحرمين ، والإمام الغزالي : بأنه « القول المقتضي طاعة المنهي بترك المنهي عنه » وهذا ما اختاره الجمهور من الشافعية . قال الكمال ما محصله : « وهو المختار » معنى تعريف النهي اللفظي الذي هو غرض الأصولي أنه لطلب الكفّ عن الفعل ، صيغة تخصّه ، بمعنى : أنها لا تستعمل في غيره على سبيل الحقيقة ، وقد وقع في هذا خلاف ، والصّحيح أنّ له لفظا يخصّه ، وحاصل تعريف النهي اللفظي ذكر ما يميّز صيغته عن غيرها من الصيغ ، فسميت هذه المميزات حدّا . - مذهب المعتزلة في تعريف النهي : لسبب أن المعتزلة أنكرت الكلام النفسي ، لم يعرّفوا النهي باعتبار المعنى القائم بالنفس ، وأنه اقتضاء الكفّ أو طلب الكف ؛ لأن هذا نوع من الكلام النفسي ، فعرّفوه تارة باعتبار أنّه لفظ ، وعرفوه تارة أخرى باعتبار الإرادة المقترنة بالصيغة ، ومرة ثالثة عرّفوه باعتبار أنه نفي الإرادة . وقد عرّفه جمهورهم باعتبار أنه لفظ ؛ قالوا : « هو قول القائل لمن دونه : لا تفعل » أي : قول القائل لفظا موضوعا لطلب ترك الفعل من الفاعل . واتفق العلماء على أن صيغة النهي « لا تفعل » ترد لعدّة معان منها : 1 - التحريم ؛ كقوله - تعالى - :« وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى »،« لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً »،« وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ » *.